20 يونيو، 2009

الحب في زمن الأنفلونزا




لا تنزع الكمامة عن انفك وفمك وأبتعد متراً على الأقل عن أي شخص لا تعرفه، ولا تصافحه، وإن
لاحظت أي ارتفاع في درجة حرارتك أو صداعاً بسيطاً فلا تذهب إلى العمل ولا تخرج من البيت وأتصل بالإسعاف!!.
وحذارِ من لمس عربات التسوق في السوبرماركت ومقبض باب البيت بيديك العاريتين، وإياك أن تبقى في السيارة دون فتح النوافذ لأن زميلك الذي يجلس بجانبك قد يكون مصاباً ولم تظهر عليه الأعراض بعد، وإن عطست زوجتك ثلاث مرات متتالية بجوارك على السرير فأهرع إلى الحمام وأستحم بمحلول “ديتول” المركز، ونم بقية الليل في الصالة وإياك ثم إياك أن تقترب من ” أم العيال” ..
قبل أن تفحصها في المستشفى مهما كانت الضغوط و”المغريات”، ولا تقبل أن تسافر إلى أي مكان في العالم بواسطة الطائرة مهما كانت الرحلة مهمة ومصيرية فحياتك أهم.

هذه هي تعليمات الوقاية من انتشار وباء أنفلونزا الخنازير والتي وزع بعضها في شكل مطويات على قاطني بعض البلدان التي أنتشر فيها فيروس H1N1، بل إن تصريحات وزير الصحة الأردني كانت أكثر تفصيلاً حين طلب من الناس التوقف عن العادات الاجتماعية السائدة، وكرم الضيافة العربي المتأصل في القبائل الأردنية محذراً من التقبيل والأحضان وتوزيع فناجين القهوة العربية وأكل “المنسف” قي صحن واحد.


الغريب في الأمر أن هذه الضجة الكبيرة - التي تثيرها وسائل الإعلام والمنظمات الدولية المعنية بالصحة لمجرد ظهور مرض جديد أو تحور فيروس ما إلى نوع أكثر تقدماً - عادة ما تخفت شيئاً فشيئاً بعد حين ودون مبررات كافية كإعلان السيطرة على الفيروس أو انتفاء المخاطر التي كان يمثلها على البشرية، فمرض جنون البقر مثلاً شغل العالم واربك الناس قبل سنوات وأصاب بالهلع المعمورة من أقصاها إلى أقصاها خوفاً من هذا الوباء الذي وصفه احدهم في ذلك الحين بمرض القيامة، وتحولت أعداد كبيرة من الأوربيين إلى كائنات تقتات على الأعشاب والنباتات نابذين كل المواد الغذائية التي تمت للبقر بصلة. وذات الأمر مع مرض السارس والايبولا وأنفلونزا الطيور والحمى البيروفية وغيرها من الأوبئة التي تظهر بقوة في مواسم معينة وتختفي بفضل الله.

ومن نافلة القول أن الأمراض المعدية ليست أمراً جديداً، والبشرية عرفت الكثير منها منذ الأزل، فالطاعون والجدري والجَرَب كلها أمراض فتكت بالكثير من الناس خلال القرون الماضية، إلا أن كتب التاريخ - رغم ما حوته من مبالغات وأساطير - لم تحمل إلينا قصصاً عن نبذ المصابين أو حجرهم في أماكن خاصة والنفور منهم، ناهيك عن الاحتراز من الضيوف وعدم مصافحتهم وتقبيلهم ومشاركتهم في الأكل والقِرى.

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي نهى فيه عن السفر إلى البلاد الموبوءة أو الخروج منها بعد انتشاره لم ينهى عن التعامل مع المصابين بهذه الأمراض ولم يأمر بنفيهم أو النفور من معاشرتهم، يقول صاحب كتاب زاد المعاد : ” في النهي عن الدخول في أرضه الأمر بالحذر، والحمية والنهي عن التعرض لأسباب التلف، وفي النهي عن الفرار منه الأمر بالتوكل والتسليم والتفويض، فالأول تأديب وتعليم، والثاني تفويض، وتسليم”.

أتمنى في الاخير أن لا يفهم هذا الطرح على أنه دعوة لنبذ أسباب الوقاية والمخالطة العمياء للمرضى الذين ثبتت حالاتهم وتأكدت خطورة التعايش المباشر معهم، بل ما رمت الوصول إليه هو أن لا تتملكنا هواجس الخوف من اللاشيء وتسيطر علينا غريزة حب الحياة بشكل يعمي بصائرنا ويحولنا إلى كائنات أنانية تبحث فقط عن ما يديم عافيتها ويطيل عمرها الإفتراضي، متناسين أن الحياة بدون التعايش مع الأخرين والتمازج معهم في بوتقة من المشاعر والتواصل الإنساني هي موت بصحة جيدة.



كما أن المرض والموت هما عنصران أساسيان من فسيفساء النفس البشرية، تماماً كبقية العناصر الأخرى كالحب والحياة والصحة والنجاح والفشل، وبفقدان أحد هذه العناصر تفقد النفس البشرية عنصراً مهماً من مكوناتها.

05 يونيو، 2009

حرب "شعارات" أهلية !


لم تكن الرحلة طويلة بالطائرة فبعد ساعتين وبضع دقائق تبدت لنا أضواء كورنيش بيروت وسياراتها،ورأيت بوضوح صخرة الروشة الشهيرة. وفي المطار كانت أولى مفارقات لبنان في انتظاري حين رأيت المكان المخصص للمسافرين اللبنانيين خاوياً أو يكاد، رغم أني كنت الأجنبي الوحيد ربما على متن الطائرة !.
الأخ لبناني ؟ - سألت رجلاً كان يملأ استمارة البيانات الشخصية بجانبي - قال : أيوه يا حبيبي، بس ما تستغرب خيو!! كلنا لبنانيه وكلنا كمان أجانب، هيداك الأميركي من لجنوب، وهيدي الست جنسيتها سينيغالية لكنها من طرابلس بالأصل، منشان هيك أحنا صافِّين معك!.

انتخبي لتكوني جميلة !

في لبنان اليوم لا صوت يعلو فوق صوت الحملات الانتخابية والدعاية الحزبية التي تلحظها في كل مكان، اللافتات تملأ الشوارع والدوارات، عبارات تمجد المقاومة وصور لفتيات جميلات جنباً الى جنب على الحائط نفسه الذي مازالت أثار الرصاص بادية عليه، ولكل جهة سياسية نهجها الخاص وطريقتها المميزة في مخاطبة مريديها وأنصارها.

بمقارنة بسيطة بين الشعارات وعناوين الحملات الدعائية وألوانها البرتقالية والصفراء والزرقاء تنكشف أمام ناظريك الخلافات والفوارق الكبيرة التي يعيشها لبنان واللبنانيون، وتدرك أنك بالفعل في بلد فسيفسائي السياسة متلون الطوائف.
تيار ميشيل عون البرتقالي وزع لافتات غريبة في كل مناطق بيروت تُظهر صورة لفتاة ذُيلت بعبارة فرنسية معناها «انتخبي لتكوني جميلة»، ومنبع الغرابة أن الشعارات الدعائية التقليدية تتطرق عادة لوعود بإنشاء مشاريع أو حل مشاكل اقتصادية أو تشغيل الشباب العاطل عن العمل، أما أن يقتصر على صورة "موديل" وعبارة أجنبية مبهمة المعنى فهذا ما لم تصل إليه حتى إعلانات العطور والأزياء.
ورغم ما يقال عن أن هذه الجملة هي محاكاة لعبارة استخدمت في حملة إعلانية في فرنسا تقول «كوني جميلة واصمتي»، إلا أنها بلا شك لا تعبر عن مشاكل اللبنانيين التي يعانون منها. كما أن استعمال لغة أجنبية يوحي بوجود أقلية ناطقة بهذه اللغة ولا تفقه سواها، وإلا فما الحاجة للكتابة بالفرنسية فقط؟.

أمل .. وكرامة !!

حركة أمل التي يقودها نبيه بري انتهجت خطاً إشهارياً مختلفاً، يعتمد على الصورة المعبرة والكلمات المقتضبة، مع التركيز على شعار الحركة المعروف والذي أصبح أشبه بالماركة التجارية.
إحدى هذه اللوحات الدعائية التي وضعت قرب منزل الرئيس بري في بيروت تُظهر صورة عجوز ملأت التجاعيد وجهه كخلفية لكلمة كرامة، لم أفهم في الواقع المقصد من هذه الطريقة في الإعلان وبهذا الشكل - ولا أعتقد أني الوحيد في هذا – لكن ربما للمكان الذي اختير لوضعها إيحاء معين أو مقصد ما.

بالنسبة لمجموعة 14 مارس وتيار المستقبل وحلفاؤه لم ألحظ الكثير من اللافتات - ربما لأنني أقمت في منطقة سكنية تدخل في حوزة المعارضة وامتدادها الانتخابي – مع أن هذا كان من المفروض أن يدعو الفئة الأخرى لتركيز حملاتها الدعائية عليها لجذب الناخبين ومؤيدي التيارات المناوئة،كما درجت العادة في البلدان الديمقراطية التي نسمع عنها، لكن لبنان يأبى إلا أن يثبت أنه بلد مختلف في كل شيء، الحزب يركز حملته الانتخابية في المنطقة التي تعتبر مضمونة لصالحه ويتغيب نهائياً عن الأحياء والمناطق الأخرى، والمقاعد النيابية محل التنافس تعد على رؤوس الأصابع لأن الغالبية محسومة مسبقاً لهذا الفسطاط أو ذاك!!.

لبنان وطن المساواة

في الضاحية الجنوبية لبيروت يغلب على المكان ومبانيه القديمة - التي ما تزال بقايا عدوان يوليو 2006 ماثلة فيها – ألوان وشعارات حزب الله، التي تركز على المقاومة والنضال والتذكير بانتصارات الحزب على إسرائيل وصور الشهداء والسيد نصر الله، ولا يرى أثر لأي أراء أو تيارات أخرى. ومن المفارقات رغم هذا أن الشعار الرئيسي الذي يرفعه الحزب يدعو إلى نبذ المحاصصة والطائفية والمحسوبية، وينشد لبنان وطن المساواة لجميع أبنائه.

أما على طريق المطار ستلفت انتباهك لافتة برتقالية كبيرة ترفع شعاراً طريفاً يتلاعب بالألفاظ بطريقة ذكية لا تخلو من مكر، تقول اللافتة : الإقلاع عن الفساد في 7 حزيران ..و م طار 49 مليار دولار شو ناطر لتغير !!؟.

في الأخير أسمع هذه النصيحة من زائر للبنان ليوم واحد - وأرمها بعد ذلك في البحر إن شئت – لا تسافر إلى بيروت أبداً في خضم الحملات الانتخابية، حتى وإن فزت بتذكرة مجانية مع إقامة ليومين في فندق خمس نجوم.

08 مايو، 2009

باقون .. وإن رحلوا


لم تكد شنقيط تستفيق من أحزانها عقب وفاة الشيخ محمد سالم ولد عدود الأسبوع الماضي - والذي كان هامة علمية سامقة في البلاد وترك رحيله فراغاً فكرياً ودينياً كبيراً في الساحة المحلية – حتى فجعت يوم أمس بنبأ رحيل المفتي الأول وشيخ الأئمة العلامة بداه البوصيري عن يعمر يناهز التسعين عاماً بعد معاناته مع مرض عضال ألم به منذ عام 2003. وتبوأ الشيخ البوصيري – الذي شيعت حشود غفيرة من الموريتانيين جثمانه يوم أمس – أعلى المناصب الدينية في موريتانيا منذ استقلالها، وذاع صيت دروسه وخطبه التي تتناول الشأن العام وتعالج هموم الناس وحياتهم اليومية بكل جرأة وصراحة، واشتهر الفقيد بمواقفه القوية في وجه القرارات التي تمس الثوابت الشرعية التي أتخذها الحكام المتعاقبون على سلطة البلاد منذ استقلالها عن فرنسا 1960..

ومن بين أشهر المواقف التي يذكرها التاريخ للشيخ البوصيري قيادته لاحتجاجات شعبية معارضة لمشروع دستور علماني كانت الحكومة تنوي تطبيقه في ثمانينيات القرن الماضي إبان موجة المد الاشتراكي التي اجتاحت العالم في تلك الفترة، وأحبط الشيخ ومن معه المشروع، مُرغماً السلطة على التراجع عن قرارها.




وفي عام 1999 أصدر البوصيري - الذي أشرف على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في البلاد إبان حكم ولد هيداله -فتوى بتحريم التعامل مع إسرائيل معارضة للعلاقات الدبلوماسية التي أبرمها حينئذٍ الرئيس ولد الطائع، وهو ما يراه بعض المحللين سبباً في تنحيته عن الإفتاء وإمامة الجامع الكبير وقتئذ.



ألف الفقيد الكثير من الكتب في كل المجالات الفقهية والشرعية، كما تخرج من مدرسته التي أسسها في العاصمة نواكشوط قبل الاستقلال أغلب أئمة وشيوخ البلاد، وعرف عن الشيخ البوصيري زهده في المناصب والمزايا التي مافتئت السلطات المتعاقبة تغريه بها، ولم يقبل أن يتقلد أي منصب وزاري أو حكومي رفيع، وظل حتى أقعده المرض يفترش حصيره القاسي ويلبس دراعته البيضاء المتواضعة متوسطاً حلقة من طلبة العلم في مسجده بشمال العاصمة.



وكان الإمام بداه مرجعاً يعود إليه مريدوا الطرق الصوفية وإعضاء الحركات الإسلامية على إختلاف مشاربهم وتوجهاتهم الدينية والإيديولوجية، وكانت فتاواه الدينية وآراءه الفقهية والسياسية محل احترام وتقدير من الجميع.



بالأمس علت وجوه القوم ممن غصت بهم جنبات جامع نواكشوط العتيق – الذي كان الشيخ البوصيري أول من أم المصلين فيه – سحنة حزن وألم على فقد علمين بارزين من أعلام الأمة الإسلامية في أقل من أسبوع، وغاب بغيابهما سراجان كانت تستنير بهما موريتانيا - التي لم تقف حكومتها الحالية دقيقة صمت واحدة حداداً عليهما - في طريقها الذي يزداد عتمة عاماً بعد عام.

05 مايو، 2009

مستقبل ضاع أو يكاد !




يعاني الطلبة الموريتانيون ممن يتابعون دراساتهم العليا خارج البلاد من ظروف صعبة بسبب تأخر الدولة في صرف المنح الدراسية التي تتكفل بدفعها شهرياً لتمكن هؤلاء من تغطية مصاريف دراستهم ومعيشتهم في البلدان التي يدرسون فيها، وأدى توقف هذه المنح لعدة أشهر مؤخراً إلى تأزم وضعية الطلبة الممنوحين بسبب اعتمادهم شبه الكامل على المعونة الحكومية، وإن كانت هذه المنحة الضئيلة لا تغطي في واقع الأمر إلا النزر اليسير من مصاريف التعليم في الجامعات التي ينتظم فيها هؤلاء.

ولم يسلم الطلاب في داخل موريتانيا ممن يتابعون دراساتهم في جامعة البلاد الرسمية اليتيمة من هذه الحال بعد أن توقفت المنح الداخلية التي كانت تتكفل بها وزراة التعليم منذ عدة أشهر، مما دفع الاتحادات الطلابية إلى تنظيم تظاهرات واحتجاجات متتالية في الآونة الأخيرة، كاد أحدها أن يتحول إلى مشادات عنيفة مع الشرطة بعد أن عاث المتظاهرون فساداً في قسم الخدمات بالجامعة. كما لوح الطلبة إلى إمكانية مقاطعتهم للإمتحانات النهائية وإفشال السنة الدراسية إن لم تصرف لهم المنح المستحقة على الوزارة منذ أشهر.




وسلكت التجمعات الطلابية في الخارج ذات المسلك التصعيدي من خلال التظاهر أمام البعثات الدبلوماسية الموريتانية وحتى اقتحامها في بعض الأحيان، للتعبير عن استيائهم من الإهمال واللامبالاة التي تتعامل بها السلطات في نواكشوط مع موضوع حساس يمس حياتهم اليومية ويؤثر على مستقبلهم الدراسي.
ففي الجزائر مثلاً – التي تضم أحد أكبر التجمعات الطلابية بالخارج - نظم إتحاد الطلبة الموريتانيين هناك وقفة احتجاجية أمام مقر السفارة لتوصيل مطالبهم إلى السلطات المعنية بعد أن تأخرت منحهم لعدة أشهر، كما أوقفت منح أكثر من 100 طالب آخرين بدون مبررات مقنعة.

يذكر أن آلاف الطلاب الموريتانيين يكملون دراساتهم الأكاديمية العليا في الخارج، في مختلف التخصصات الدراسية والعلمية منها بشكل أساسي، لعجز مؤسسات التعليم العالي المحلية عن توفير المستلزمات المطلوبة لاستيعاب مخرجات الثانوية العامة التي تفوق الطاقة الاستيعابية لجامعة نواكشوط الوحيدة التي تضم أربع كليات فقط. ويصارع الطلاب وأولياء أمورهم من اجل الحصول على إحدى المنح التي توفرها الجهات الرسمية من خلال إتفاقيات تعاون تبرمها مع البلدان المستضيفة، وغالباً ما تشوب عملية اختيار المستفيدين من هذه المنح الكثير من الانحرافات لتفشي المحسوبية والرشوة.

ومن الغريب أن البلاد التي تشهد حالياً أزمة سياسية خانقة، لم يولي الرؤساء المتعاقبون على قيادتها أي اهتمام بتحسين مستوى التعليم الجامعي من خلال إنشاء كليات جديدة أو جامعات داخلية لتقليل الاعتماد على الإبتعاث الخارجي، وهو ما خلق معضلة خطرة سببها الجيل الهجين من الخريجين وطالبي العمل في التخصصات المختلفة والذين أتوا من بلدان متعددة تتحدث لغات مختلفة وتعتمد مناهج لا تتفق بالضرورة مع النظام المتبع محلياً، أي أن الطبيب الذي درس لعشر سنوات مثلاً في روسيا وصرفت عليه الدولة مبالغ طائلة يحتاج لإعادة تكوين وتأهيل لعدة سنوات أخرى حتى يكون قادراً على العمل في تخصصه محلياً !.


31 مارس، 2009

القمم العربية وحرب الكواليس



ينصب اهتمام المتتبعين للقمم العربية عادة على ما يدور في الجلسات الرسمية وتصريحات الزعماء أو من ينوب عنهم من وزراء ومسئولين، ويركز الإعلام الرسمي على الخطب الرنانة التي يتلوها هؤلاء – مع كثير لحن وتأتأة - وما يرد فيها من شكر وتقدير للدولة المضيفة ووعد باتخاذ إجراءات وتدابير مناسبة لتحرير الأراضي العربية المحتلة وتشغيل الشباب وتزويج العوانس، وتتكرر الأغاني – قصدي الخُطب - على لسان الرؤساء الحاضرين بنفس العبارات والمواضيع مع تحوير بسيط، فقد يقدم هذا موضوعاً أخره ذاك ونحوه، إلا أن المحصلة النهائية – إن وجدت – تبقى واحدة، دعم وتنديد وتأييد وشجب ووعود... لينتهي "المولد" بقبل وأحضان وصورة جماعية!!.




إلا أن ما يدور في كواليس هذه القمم و"شوارعها الخلفية" لا يراه المشاهد على شاشة التلفزيون ولا يتابعه من خلال الصحف والمواقع الإخبارية، مئات الصحفيين والمذيعين والمصورين والمتملقين والفضوليين تعج بهم ممرات الفندق وقاعاته يخوضون غمار حرب تنافسية بكل ما في كلمة "حرب" من معاني، فالكل متوجس ومتأهب يحمل سلاحه، الذي يتراوح بين القلم والورقة وصولاً إلى كاميرا الفيديو وأجهزة البث الفضائية. لا هم له سوى نيل قصب السبق الصحفي والحصول على المعلومة قبل الآخرين حتى وإن كانت شائعة مكذوبة.

الطريف في هذه المعركة أنها تتجلي بشكل أوضح بين رفاق المهنة الواحدة ومشتركي التخصص، فالمذيع التلفزيوني للقناة الفلانية "يتقاتل" مع زميله المذيع من القناة المنافسة ويرقبه طوال الوقت بنظرات الريبة والتأهب بينما لا يعير بالغ اهتمام لصحفيي وكتاب الجرائد الورقية، معتبراً إياهم خارج نطاق منافسته، والعكس بالعكس، فكتاب الصحف والمراسلون في سباق محموم لاستجداء المعلومات من المسئولين وأعضاء الوفود الرسمية، وما إن يخرج أحدهم خلسة لقضاء حاجة – أعزكم الله – حتى تتلقفه المسجلات والميكرفونات ويصاب بالعمى المؤقت بسبب الفلاشات الضوئية التي تسلطها كاميرات المصورين عليه، وتتهاطل الأسئلة من كل صوب، وفي أغلب الأحوال تنتهي هذه الجعجعة دون طحين، أو بأجوبة دبلوماسية مبهمة لا يستشف منها حق ولا باطل.

وكلما احتدم "الوطيس" ابتكرت وسائل أخرى للمنافسة، فيعتمد البعض من الصحفيين المخضرمين ورؤساء التحرير الحاضرين لتغطية القمة على رصيدهم من العلاقات الشخصية " مع الناس أللي فوق"، ويرون دائماً منتبذين ركناً قصياً رفقة أجهزتهم النقالة لرصد ما يدور خلف الأبواب الموصدة وما يرشح من الجلسات السرية، وما إن ترد إلى أحدهم معلومة أو خبر إلا ويستدعي "حاشيته" من الصحفيين معلناً النفير، لينهمك الجمع في صياغة مقال أو رسالة إلكترونية قبل أن تتلقف الخبر مسامع "الأعداء".

وتختلط الأسرار بالوقائع والشائعات بالأخبار المؤكدة، ويتحول الكل إلى محللين سياسيين وخبراء اقتصاد وشئون دولية، بل وحتى منجمين وعرافي طوالع وأبراج، فهذا يقول بأن محور "الممانعة" يسعى إلى سحب المبادرة أو عدم التطرق لها، ومحور "الاعتدال" يريد بقاء المبادرة وإضافة بنود جديدة إليها، وما بينهما محور لا ممانع ولا مؤيد وليس في ذات الوقت محايداً أصر على أن تبقى المبادرة لكن مع ربطها بجملة "لن تبقى طويلا"، أو بإلزام المحتل بتاريخ محدد ستسحب بعده المبادرة العربية - وكأنه سيرتجف خوفاً من هذا التهديد - أي بمعنى التلويح بوجود سقف زمني.




أحدهم قال لي : حضرت عدة قمم ، وكلها تتشابه. فحين تسمع المساجلات الكلامية في الجلسة المغلقة، تعرف أن المواطن العربي البسيط لا يلام في عدم ثقته بأي قمة عربية. كونه الغائب الوحيد عن هذه القمم ، من قمة انشاص في أربعينات القرن الماضي حتى يومنا هذا في قمة الدوحة. إلا أن ما يدور من حروب ومشاحنات في الكواليس – يقول محدثي - يضفي متعة على هذه الاجتماعات "كثيرة الكلام قليلة الأفعال".

23 مارس، 2009

جيل "كسلان جداً" !!



حينما رأيت سحنته الساذجة وعيونه الناعسة وشعره المسبل على جبينه، استيقظت في داخلي ذكريات الطفولة الجميلة، وتجسد أمام ناظري ذلك الطفل الصغير الذي كان يوفر من مصروفه اليومي ليتمكن من شراء مجلته المفضلة من مكتبة العم عديني القريبة من المدرسة، وكيف كانت الابتسامة ترتسم على محياه ويملؤه الفرح حين يحصل على العدد الجديد صباح الأربعاء ويركض مسرعاً إلى البيت ليقرأ آخر قصص شمسة ودانة وزكية الذكية وخلفان وفهمان، مروراً بالنكت وعمود هل تعلم ومن كل بستان زهرة وغيرها من الأركان المفيدة التي كانت تزخر بها المجلة، كل هذه الذكريات أعادتها صورة كسلان جداً التي رأيتها صدفة في البِقالة وكأنها بالأمس.


كان لمجلة ماجد التي أصدرتها مؤسسة الإتحاد الإماراتية للطباعة والنشر في نهاية السبعينات دور كبير في تنمية حب القراءة وزيادة رصيد المعلومات و الثقافة لأجيال كثيرة من أبناء الوطن العربي خلال ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي، وكانت المجلة الأولى عربياً الموجهة للأطفال سواءً من ناحية المادة التحريرية المتميزة التي تعدها نخبة من الكتاب الكبار والرسامين المقتدرين أو من حيث مستوى الانتشار والتوزيع الذي كان يغطي أغلب المنطقة العربية. استطاع القائمون على مشروع المجلة أن يجمعوا بين طياتها التسلية والفائدة بأسلوب سلس غير ممل، جذب إليها الكثير إن لم أقل كل أبناء تلك الفترة الزمنية من الأطفال والمراهقين، وتحولت متابعة آخر ما يرد في أعدادها الأسبوعية من معلومات وقصص إلى مجال رئيسي للتنافس بين أبناء المدرسة والحي، وكان ورود اسم أحدهم في المجلة مدعاة للفخر والتباهي بين الرفاق.

توقفت عن شراء المجلة ومتابعتها منذ سنوات – بعد أن كبرنا وكبرت همومنا - ولم أرها إلا مؤخراً، حيث لاحظت كيف تغيرت أغلفتها وتغير مضمونها، حتى الشخصيات الرئيسية اختفى أغلبها عن صفحات المجلة، والرسوم التي كانت تعد يدوياً وبألوان طبيعية تنم عن إبداع راسميها تحولت إلى أشكال إلكترونية مكررة تشبه المسوخ، والمواد التثقيفية التي كانت ترضي نهمنا للمعلومات آنذاك انحسرت مؤخراً ولم تعد تمثل إلا مساحة ضئيلة جداً بعد أن طغت عليها الإعلانات والدعايات التجارية.


أحدهم رآني أقلب المجلة وأتابع صفحاتها باهتمام، فبادرني بالسؤال : الأخ من جيل كسلان جداً !؟ استغربت سؤاله في البداية ولكن الابتسامة التي أتبعها سؤاله هدأت من استنكاري، ليضيف شارحاً بأنه رآني أقلب مجلة ماجد التي كان هو أيضاً من متابعيها والمغرمين باقتناء أعدادها، معتبراً أنه بكل فخر من أبناء جيل كسلان جداً، الجيل الذي كان يهتم بالثقافة والمعلومة المفيدة، قبل أن تغزونا التكنولوجيا اليوم بتفاهات البلاي ستيشن والوي والكومبيوتر جيمز التي احتلت عقول الصغار قبل الكبار وحولتهم إلى ما يشبه الروبوتات، فالشاب من أبناء اليوم لا يمتلك ربع المستوى المعرفي الذي كان يتمتع به مراهق جيلنا.

ترددت كلمات الرجل في مسامعي وأعدت إسقاطها على ما نراه هذه الأيام من عزوف عن المكتبات التي أصبحت مهجورة من الرواد، وتعلق مفرط بالفضائيات والبرامج الهابطة والعلوم التي لا يضر جهلها ولا تنفع معرفتها وما تبثه المنتديات الإلكترونية من مواضيع لا قيمة لها، وجهل فاحش باللغة العربية التي باتت مهددة بالإندثار والتحول إلى لغة منسية لا يتعلمها سوى الباحثون في التاريخ وميثولوجيا الشعوب كاللاتينية والسريانية والهيروغليفية، فلتفخر عزيزي القاريء إن كنت مثلي من جيل "كسلان جداً".

11 فبراير، 2009

إبراهيم وفاطمة.. قصة أخرى لم تروى بعد


مخطئ من يعتقد أن عقبات الزواج في مجتمعاتنا العربية، وعزوف الشباب عن الارتباط الأسري وزيادة نسب العنوسة بين فتياتنا. تعود فقط إلى أسباب مادية كقصور إمكانات الشاب وعدم قدرته على تأمين مصاريف الحياة الزوجية وتغطية تكاليف تأسيس بيت جديد أو لانتشار البطالة ومضاعفات الأزمات الاقتصادية والظروف الصعبة التي نعاني منها، أو أن البحث عن الشريك المناسب الذي يتقاسم مع شريكه ذات الاهتمامات وينسجم مع تطلعاته وميوله هو العامل الرئيس وأكسير نجاح أي رباط بين أثنين رغبا معاً في حياة مشتركة.
فهذه العوامل التي لا يختلف اثنان على أهميتها تتداخل معها في عالمنا العربي عقبات اجتماعية أخرى لا يمكن إغفالها، ورغم أنها عقبات مبنية في الأساس على أعراف جاهلية وموروثات قبلية بائدة، إلا أنها باتت اليوم في بعض الأوساط العربية تتقدم على غيرها من العقبات. البعض من مَن نشأ في مجتمعات وصلت إلى حدود معينة من التقدم الحضاري والتراكم الثقافي الذي أزاح فتات المخلفات الفكرية المبنية على الأساطير والقصص الخرافية سيستغرب وجود مثل هذا النوع من القصص في القرن الواحد والعشرين، ولن يصدق أن أغلب المجتمعات العربية – إن لم أقل كلها – ما زال يعتمد التمايز الطبقي والتدرجات العرقية وأمجاد القبيلة ومكانتها في السلم العنصري، مقياساً مقدساً تحدد من خلاله – بغض النظر عن كل المؤهلات والسمات الإنسانية الأخرى- قيمة الفرد و"كفاءته" ليقلد لقب زوج أو زوجة.



التهمة : زوج " مش قد المقام"!!


إبراهيم ولد محمد سجين منذ أربعة أشهر في سجن نواكشوط المركزي، سجين يختلف في تهمته عن بقية النزلاء، فلا هو ارتكب جرماً جنائياً بحق أحد ولا تعدى على حقوق أو ممتلكات غيره، كما أنه لم يختلس المال العام أو تورط في نهب أقوات الفقراء – رغم أنها ليست بورطة في موريتانيا الشفافية!!- لكنه مع ذلك ليس بريئاً، بل متهماً بما هو أشنع من كل الجرائم السابقة وفق المنظور القبلي السائد.
فقد حاول المسكين أن يتخطى أعراف مجتمعه وصدّق كذبة تقول: أن الحب الصادق لا يعرف الحواجز، وتناسى في أوج نشوته البريئة أن القبيلة وأعرافها خطوط من نار تحرق بلهيبها من تسول له نفسه الأمارة أن يروم تجاوزها.بدأت قصة إبراهيم وفاطمة منذ خمس سنوات حين التقى الشاب الناجح الذي حقق في فترة وجيزة كل أحلامه المهنية، بالفتاة الطموحة التي تسعى إلى أن تؤسس لبيت صغير يجمعها بمن تحب تحت سقف واحد. توافق الاثنان في كل شيء وخيل إليهما أنهما شطرا تفاحة ساقهما القدر ليلتئما ثانية، فكل الظروف مواتية والعقبات الحياتية التي يعاني منها الكثير من أقرانهما غير مطروحة في حالتهما. فإبراهيم شاب مثابر في عمله ويمتلك كل المؤهلات الضرورية لتأمين مصاريف تأسيس بيت الزوجية، كما أنه وجد في فاطمة كل الصفات التي رسمها في ذهنه لرفيقة العمر. إلى هنا والأمور في ظاهرها على الأقل تسير على ما يرام، إلا أن الأيام تخبئ لنصفي التفاحة الكثير من المآسي والآهات التي لم تكن في حسبانهما.



تفريق..وسجن..ومصير غامض!


" تزوجا بعقد شرعي موثق من محكمة رسمية ووفقاً للشروط والضوابط الدينية اللازمة، وبارك العقد جمع من الفقهاء ورجال الدين المعروفين، ليسافر الاثنان لقضاء شهر العسل في دولة مجاورة. كانت السعادة تغمرهما وتملأ حياتهما بعد أن كللت قصتهما بالنهاية المأمولة ولم يدر بخلدهما للحظة أن هذه السعادة لن تدوم طويلاً وستنقلب إلى رحلة من العذاب الذي لا ينتهي"..هكذا بدأ سيد أحمد شقيق إبراهيم الأكبر حديثه لـ "الجزيرة توك" وهو يسرد ما آلت إليه قصة إبراهيم وزوجته فاطمة، اللذان اقتيدا مكبلين بالأصفاد بعد عودتهما من شهر العسل إلى السجن بتهمة "انتهاك حرمات الله" والتورط في علاقة غير شرعية وزواج غير متكافئ النسب !!.يضيف سيد أحمد أن بعض أقارب الفتاة من المتنفذين لم يرقهم أن "يدنِس" هذا الزواج شرفهم "الرفيع" ومقامهم الاجتماعي "العالي"، وأصروا على أن يعاقب من أقترف هذا "الجرم العظيم" عقاباً رادعاً له ولكل من تسول له نفسه من العامة الاقتراب من حياض علية القوم.وأردف سيد أحمد أن شقيقه أودع في زنزانة مع اللصوص والقتلة وقطاع الطريق، ولم تفلح كل المحاولات التي بذلها ذووه لإخراجه ولو بحرية مؤقتة أو مقابل كفالة مالية كما ينص القانون، فكلما سعوا إلى ذلك سدت الأبواب في وجوههم من حيث لا يعلمون، فالقانون يسري على الصغار فقط، أما الكبار فهم من يحدد سقف القانون ومستواه!!.
وأكد شقيق إبراهيم أن أسرته اتصلت بالمنظمات المدنية وهيئات الدفاع عن حقوق الإنسان، وأصدر بعضها بيانات منددة بالاعتداء على حق شخصي أساسي كفلته الشريعة الإسلامية والدستور الموريتاني من طرف بعض من يمتلكون السلطة والمال ويطوعون القانون والعدالة وفق أهوائهم ورغباتهم الشخصية المنحرفة، ونوهت هذه البيانات إلى أن هذه الحالة ليست الأولى من نوعها، وإن لم يتصدى لها بحزم فلن تكون الأخيرة.
وما زال إبراهيم في السجن - حتى كتابة هذه السطور- بعد أربعة أشهر من اعتقاله ينتظر مآلاً مجهولاً سيحدده آسروه، أما فاطمة فلم يعرف مصيرها، حيث انقطعت أخبارها منذ أن اقتيدت عنوة وهي تبكي وتصرخ من بين يدي زوجها الشرعي.


أمة " بكت" من حالها الأمم!!

حالات فصم عرى الزواج لعدم التكافؤ في النسب انتشرت في الفترة الأخيرة بشكل كبير في محيطنا العربي، واللافت في الظاهرة أن السلطات الرسمية والهيئات الحكومية المعنية تبارك في أغلب الأحيان وتغض الطرف في أحيان أخرى عن هذه التجاوزات التي تبرر عادة تبريراً دينياً، مع أن الموضوع يمثل خلافاً فقهياً أصيلاً، ففي حين يشترط أن يتسبب الزواج في ضرر بين للزوجين أو أنسبائهم ليكون التفريق ممكناً، يستند الطرف الآخر إلى حديث نبوي ضعيف السند يقول ( تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس) في اتخاذ قرار مصيري قد يؤدي إلى تشرد أسر بأكملها وضياع أطفال لسبب تافه أستند بشكل أساسي على "العرف" دون الالتفات إلى مدى صحة أو فساد ذلك العرف.ومن المعلوم أن العرف المعتبر شرعاً هو العرف الصحيح غير المخالف لنص قطعي ومتى ما خالف العرف نصاً شرعياً أو نظامياً فإنه يعد عرفاً فاسداً لا يعتد به شرعاً ولا يمكن للقضاء أو القانون أن يضفي عليه الشرعية.ومن المضحك المبكي أننا في الحين ذاته نرى كل يوم ما خلفته ظاهرة عزوف الشباب عن الزواج وانتشار العنوسة من مشاكل اجتماعية وانحرافات أخلاقية، دفعت بنا للقبول بأنماط غريبة و "غبية" من الارتباط تبدأ بالزواج العرفي مروراً بالمسيار والمتعة وأخيراً الزوج فريند، بل إنها أدت لظهور قنوات فضائية متخصصة في نشر طلبات الزواج التي "يشحت" أصحابها وصاحباتها بابتذال زوجاً أو زوجة لوجه الله!

18 يناير، 2009

جُمدت.. فمتى تذوب؟



إرتبط شريط الأخبار العاجلة – القاني الإحمرار في قناة الجزيرة - في ذهن المشاهد العربي بالأخبار المفجعة والكوارث، وزاد هذا الإرتباط وثوقاً مع توارد أخبار العدوان من غزة، والتعداد المتواصل لكَم الشهداء والجرحى الذي لا يتوقف عن التصاعد. هذا الشريط نقل خبراًَ مختلفاً يوم الجمعة الماضي، تعالت له الصيحات والتكبير وأرتفعت أصوات الزغاريد في عموم موريتانيا. فالعلاقات البغيضة مع إسرائيل جُمدت – وهو تعبير دبلوماسي أصيل لا يعني القطع النهائي - بقرار مشترك مع قطر خلال قمة غزة الطارئة المنعقدة في الدوحة..


أخيراً جمَدها..!!

منذ بداية العدوان على غزة تحرك الشارع الموريتاني بكل أطيافه للتعبير عن غضبه الشديد لإستمرار العلاقات الدبلوماسية غير المبررة مع إسرائيل التي لم تتوقف يوماً عن تصرفاتها العدوانية ضد أبناء فلسطين المغتصبة. ولم تشغل الشارع المحلي الأوضاع السياسية المتأزمة التي تعيشها البلاد منذ إنقلاب أغسطس الماضي، وما تلاه من تجاذبات حادة، ولا منعه حظر التظاهرات عن الخروج إلى الساحات والشوارع بالآلاف في مظاهرات لم تشهد لها البلاد مثيلاً، حرقت خلالها سيارات الشرطة وسقط فيها عشرات الجرحى في مشهد غير مألوف محلياً. مما دفع النظام العسكري – مرغماً – إلى بث إشاعات بعزم الجنرال ولد عبد العزيز إنهاء علاقة البلاد بإسرائيل قريباً، وبأنه سيقود شخصياً إحدى التظاهرات ليعلن خلالها هذا القرار، وفي خطوة لاحقة إستدعى السفير الموريتاني من تل أبيب لمحاولة تهدئة الغليان الشعبي الذي بات يهدد الأمن والنظام في نواكشوط. وكانت كل التوقعات السياسية متفقة على قرب إتخاذ القرار – المنتظر- لعدة عوامل منها بحث المجلس العسكري عن ما يقويه داخلياً في وجه موجة الرفض العارمة التي قابلته بها منظمات المجتمع المدني والحركات السياسية بمختلف إنتمائتها، ويأسه من المماطلة الأوربية والرفض الأميركي للإعتراف بالإنقلاب. وأكد الجنرال ولد عبد العزيز هذه التوقعات بإصراره على الحضور لقمة الدوحة برغم الضغوط الكبيرة التي مارستها السعودية ومصر عليه، ومن البديهي أن الجنرال لم يكن ليضحي بالعلاقة مع محور القاهرة الرياض من أجل المشاركة والظهور على التلفزيونات فقط. ورغم أن خطابه في الجلسة الإفتتاحية كان دون المستوى المأمول – وعذره مقبول في ذلك – إلا أن نتائج الجلسة الخاصة لقادة القمة زفت الى الموريتانيين خبر إنعتاقهم من قيد الذل الذي أدمى أيديهم منذ عام 1999 حين أعلن ولد الطائع إرتمائه المفاجيء في أحضان العدو الإسرائيلي.


بداية الحكاية..أعذار واهية


وكانت العلاقات الدبلوماسية الموريتانية الإسرائيلية قد أعلنت في ظروف خاصة ناتجة عن أحداث خاصة، فقد اعتقلت فرنسا في يونيو/حزيران 1999 أحد الضباط المقربين من الرئيس ولد الطايع بتهمة تعذيب السجناء السياسيين، فأثار ذلك غضبا ورعبا غير مسبوق في أوساط القيادة الموريتانية نظرا لإمكان امتداد الحريق إلى مناطق أبعد داخل الدائرة الحاكمة، فردت السلطة الموريتانية بقرارات غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الموريتانية الفرنسية إذ طردت الخبراء العسكريين الفرنسيين من موريتانيا، وفرضت تأشيرة دخول على جميع الفرنسيين الذين ينوون دخولها. ولم يكن للموريتانيين -الذين اكتووا بنار التبعية لفرنسا عقودا مديدة- إلا أن يفرحوا بهذه القرارات الجريئة. لكن الخوف من الانكشاف أمام فرنسا دفع القيادة الموريتانية للهروب إلى الأمام، فكانت العلاقات المفاجئة مع إسرائيل التي تهدف –حسب الظاهر– إلى مجرد تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة بأقصر طريق، وهي كسب اللوبي اليهودي في الإدارة الأميركية والكونغرس ليكون ذلك تعويضا للدعم السياسي الفرنسي. ودرجت الحكومات الموريتانية المتعاقبة على تقديم مبررات لعلاقاتها مع إسرائيل أقل ما يقال فيها إنها غير مقنعة للمطلعين على الواقع المحلي. فقد ادعت أن الدافع إلى إقامة علاقات مع إسرائيل هو خدمة الفلسطينيين عبر فتح قنوات التأثير في الدولة اليهودية!، والواقع يشهد أنها جرحت مشاعر الفلسطينيين أكثر من مرة وهي تتفاخر بمد اليد لشارون في أوج مذابحه لهم، حتى طالب بعضهم بسحب عضوية موريتانيا من جامعة الدول العربية. وادعت أن "المصالح العليا" للشعب الموريتاني هي التي فرضت هذا السلوك، وهو الشعب الذي عبر بكل وسائل التعبير المتاحة عن سخطه واشمئزازه من تلك العلاقات ونزل إلى الشارع بكافة قواه السياسية والاجتماعية وتحمل الجراح والسجون والتعذيب في رفضها. ولم تتوقف منذ ذلك الحين في الشارع المحلي مظاهرات التنديد والمطالبة بقطع هذه العلاقات، ووصل الأمر في العام الماضي إلى الهجوم بالأسلحة النارية على مقر السفارة الإسرائيلية في نواكشوط.

نريدها أن تذوب

سار الجنرال محمد ولد عبد العزيز رئيس المجلس الاعلى للدولة بعد عودته من الدوحة على قدميه - بين الحشود وهي تحمل شعارات وصور ولافتات ترحب به - من المطار إلى القصر الرئاسي. وفي ردود الأفعال الأولى على القرار الموريتاني – القطري- بتجميد العلاقات السياسية والإقتصادية مع إسرائيل، عبر السياسيون الموريتانيون عن تثمينهم لهذا القرار، ورأه البعض الأخر سحباً للبساط من تحت أقدام الجبهة المناوئة للإنقلاب التي كانت الدعوة لقطع العلاقة بإسرائيل من أولويات خطابها السياسي. إلا أن التوجس من التعبير المستخدم في هذا القرار الذي وصف العلاقات بالمجمدة، أبقى نوعاً من الضبابية وعدم وضوح الرؤية لمستقبلها، فهل هذا التجميد في "ثلاجة دبلوماسية" تبقي أقل ما يمكن إبقاؤه من تواصل مع الطرف الآخر، أم أنه تمهيد لذوبان أي صلة بقرار خاطيء لا مبرر له أذل شعباً بأكمله لم يتباطأ يوماً في نصرة فلسطين وأهلها.

10 يناير، 2009

كانوتي "الشجاع" .. وشافيز " البطل "



بينما عبّر اللاعب المسلم فريدريك عمر كانوتي المالي الجنسية عن تضامنه مع ضحايا القصف الإسرئيلي على قطاع غزة، من خلال كشفه أمام ملايين المشاهدين في العالم عن قميص كتب عليه بعدة لغات اسم "فلسطين"، لم يفكر المنظمون لدورة كأس الخليج المقامة في سلطنة عُمان بمجرد تأجيل موعدها تضامناً مع ما يتعرض له أهل غزة من تنكيل وتقتيل ودمار، وأصرت القنوات الفضائية العربية على نقل المباريات والإستديوهات التحليلية التي تستضيف "خبراء" الركل والرمي والدفاع والهجوم الكروي في ذات الوقت الذي تقصف فيه بيوت أهلنا في غزة وتدك على رؤوسهم بأحدث أسلحة التدمير والقتل. وكأن غزة تقع في المريخ وتسكنها مخلوقات فضائية لا تربطنا بهم أي صلة.

اللاعب الإفريقي الذي عوقب بالبطاقة الصفراء نتيجةً لاتخاذه "موقفاً سياسياً" وتعبيره عن دعمه للفلسطينيين بشكل علني، مهدد بعقوبات أخرى أكبر لأنه تصرف تصرفاً تحظره قوانين الاتحاد الدولي لكرة القدم. 
إلا أن عمر كانوتي كان مدركاً لما يمكن أن يلحقه من جراء هذا التصرف وأصر على مراعاة ضميره الذي سبق أن دفعه للتبرع بأكثر من 700.000 دولار لشراء أحد مساجد مدينة إشبيلية لينقذه من الإقفال بعد عجز إدارته عن تحمل التكاليف المستحقة عليه، ورفض قبلها ارتداء قميص يحمل شعار إحدى شركات المقامرة الراعية لناديه الإسباني.
 

بينما اليوم تعج الشوارع في المدن الخليجية وأغلب محطات الإذاعة والتلفزيون بالإعلانات التي تدعو الشباب للوقوف إلى جانب "منتخباتهم" ودعمها للفوز بالكأس "الغالي"، ويركز أحدها على أن تشجيع المنتخب للفوز باللقب واجب وطني لأنه يرفع إسم البلاد عالياً بين الأمم!!، وكأن النخوة والوطنية والإنتماء أختزلت كلها في هتافات متعصبة وتلوين للوجوه في المدرجات وأكل "لفشار"!!. 
وحين ترى الأعداد الغفيرة من شبابنا تتزاحم في أحد المقاهي التي تعرض المباريات الكروية، وتصم أذنيك الصيحات التي تتعالى في أرجاء المكان، سيتملكك الحزن والخوف على مستقبل هذه الأمة التي يقتل أطفالها وترمل نسائها وتستباح ربوعها بينما رجالها لاهون بمتابعة "التمريرة" و"الباص" و"الفاول" و"البلانتي"!!.

بعد أن طرد الرئيس الفنزويلي شافيز السفير الإسرائيلي من كاركاس قال أحد المفكرين العرب خلال لقاء تلفزيوني تعليقاً على الحادثة أن مشكلتنا الأساسية تتلخص في تمجيدنا الساذج وتعصبنا الأعمى للعرق العربي، وتفاخرنا بأمجاد الأجداد وما فعلوه دليل واضح على إفلاس الجيل الحالي الذي أكتفى بالتباكي على الماضي، متناسياً أن أغلب قادة هذه الأمة ورجالاتها لم يكونوا عرباً. وكم كان موفقاً في طرحه هذا، حيث أن ما نراه من وقفات مشرفة من سياسيين ومشاهير ومفكرين أجانب مع أهل غزة مقابل تلكؤ ومماطلة من طرف الأنظمة العربية التي فشلت في مجرد التعبير عن رفضها لما يحدث في غزة دليل قاطع على أن التفاخر بالعروبة سيتحول قريباً إلى مذمة. 

03 يناير، 2009

من قال إن العرب إخوة!؟





لم تدمر الصواريخ والقنابل الإسرائيلية - التي تمطر غزة منذ عدة أيام- البيوت والمساجد والمدارس فقط، بل نسفت نهائياً أكذوبة العروبة، التي لم تعد تنطلي على أصغر طفل من أطفالنا، فبعد أن ملأت هذه الكذبة الكتب والمناهج التعليمية والخطب والشعارات السياسية منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية، وبعد أن أنطلت علينا - وعلى أبائنا - لكثرة ما سمعنا عن القومية والأمة الواحدة الممتدة من المحيط إلى الخليج - ذات الرسالة الخالدة!!- وغيرها من العبارات التي أصمَّتنا طوال قرن من الزمن، إنهار اليوم في غزة آخر عمدٍ من صرح الأكاذيب الهش.

تلكؤ وحنحنة ...ثم إعتراض!؟

حتى القمم العربية الهزلية التي لا تتعدى بياناتها سرد عبارات التنديد والشجب والتعاطف والمؤازرة على الورق، بخلوا بها على أهل غزة. وبلغت الصفاقة ببعض رؤساء هذه المنطقة – التي يجب أن يبتدع لها وصف غير المنطقة العربية – أن يعلن بأن غزة ستظل محاصرة حتى لو أصبحت أثراً بعد عين، لأنه ملتزم بمعاهدات ومواثيق دولية!.
وحين طلبت قيادة أخرى عقد قمة عاجلة لبحث الوضع – والبحث عادة في هذه القمم لا يتعدى تحديد الدولة التي سترسل بطانيات ومن سيرسل الطحين!!- صمت صاحب الجلالة وتلكأ الزعيم وتحنحن الجنرال، قبل أن يعترض الريس صراحةً، لأنه لن يقبل بأن تعري دولة صغيرة مواقفه "القومية"، أو أن تسحب البساط من تحت أقدام "ماما"!.



وفي حين اجتمع وزراء الخارجية في الاتحاد الأوروبي - الذي لا تجمع بين دوله لا لغة ولا دين ولا عرق- بعد القصف بيومين مطالبين بوقف فوري لإطلاق النار، وقدم نيكولا ساركوزي رئيسه الدوري خطة هدنة ليومين، معرباً عن استعداده للسفر إلى تل ابيب للقاء السياسيين الإسرائليين ومنها إلى رام الله ليقابل الرئيس الفلسطيني، انتظر وزراء خارجية الجامعة العربية أن تُغرق الدماء ثلاثة أرباع قطاع غزة ليلتقوا في القاهرة لقاء الغرباء!.
وبلغ الإفلاس السياسي العربي مبلغه حين تحولت عاصمة الأتراك إلى قبلة جديدة ييممها المسئولون العرب بحثاً عن حلول ووساطات لعل وعسى أن ينجح أردوغان في إقناع "المحور العربي المعتدل" بالجلوس على طاولة واحدة مع "المحور العربي المنحرف"، ولو لالتقاط الصور!

إقطعها ..وتوكل!

حتى "آخر العنقود" الجنرال الموريتاني الجديد - الذي لم تنبت بعد أسنانه اللبنية في السلطة - لم يتكلم ولم يعترض ولم ينبس ببنت شفة، رغم أن كل الظروف الداخلية والخارجية تساعده على إزالة بقعة الدرن سماوية اللون التي تشوه بياض "الدراعة" الموريتانية منذ تسع سنوات.
حتى إحراق العلم الموريتاني أمام كاميرات التلفزيون في نقل مباشر – بعد إقتحام المتظاهرين للسفارة في طرابلس – لم يحرك في "المنقذ بأمر الله" شعرة واحدة، والشجاعة التي تحدث عنها في خطاباته وعدم خوفه من العقوبات الخارجية - لأنه مدعوم من أبناء الشعب ولا يخشى الوغى !- لم تمكنه من إستدعاء سفير إسرائيل المختبيء في مكان ما من نواكشوط لبضع دقائق للإحتجاج ولو شفهياً!.


ووصل الأمر بأحد أقطاب المعارضة وقياديي الجبهة المناهضة للانقلاب إلى الإعلان عن استعداده لمؤازرة الجنرال ورفاقه الانقلابيين جهاراً نهاراً إن هو قطع علاقات البلاد بإسرائيل، بل إن الشعب الموريتاني برمته سيؤيد بالإجماع تنصيب الحجاج بن يوسف الثقفي رئيساً إن هو أزال هذا العار الذي لحق بكل الشناقطة في مشارق الأرض ومغاربها.
وأكتفت السلطات الحاكمة في نواكشوط بعدم إعتراض المتظاهرين ممن يجوبون شوارع المدينة ليل نهار تضامناً مع أهلهم في فلسطين - من باب التنفيس لتفادي الإنفجار- وأُطلقت شائعات في الشارع المحلي تتحدث عن نية الجنرال إنهاء التمثيل الدبلوماسي الإسرائيلي خلال إنعقاد القمة العربية – ربما ليقينه بأنها لن تعقد!- لكنها تبقى شائعات لا تعززها أدلة.

من قال إن العرب إخوة؟!

إحدى القنوات الفضائية العربية وكنوع من التعبيرعن التضامن مع أهالي غزة تبث أغنية جماعية بعنوان "الضمير العربي"، تقول مقدمتها إن العرب إخوة!!
لكني لا أصدق أن هذه الأجيال التي تعيش حالياً هي فعلاً من بقايا سلالة العرب، ولا أتقبل أن من بين هؤلاء أحفاد المعتصم أو أبناء الفاروق، ولا يوجد دليل واحد على أن الدماء التي تسري في عروقهم هي ذاتها التي كانت تسري في شرايين جند صلاح الدين أو رجال خالد بن الوليد.
ومخيلتي لا تستوعب أن هؤلاء اللائي يتراقصن شبه عاريات ويتمايلن في حفلات العام الجديد لهن أدنى صلة بخولة بنت الأزور أو نسيبة بنت كعب أو حتى دلال المغربي...وعندما نعيد النظر في واقعنا البائس ندرك أن الإسرائليين رحماء وقلوبهم تقطر عطفاً لأنهم لم يبيدونا عن آخرنا فلن يبكي هذه الأمة المتخاذلة أحد!.




09 ديسمبر، 2008

لسنا حمقى لهذا الحد..يا جنرال!

ضحكت كما لم أضحك من قبل وأنا أستمع لتصريحات الجنرال ولد عبد العزيز- قائد انقلاب السادس من أغسطس الماضي – التي أدلى بها في فقرة ضيف المنتصف وبثت على قناة الجزيرة الخميس الماضي، فقد علل الجنرال المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها موريتانيا – التي يناهز عدد سكانها 3 ملايين نسمة وتمتلك ثروات طبيعية هائلة – بكثرة رحلات الرئيس السابق وزوجته للخارج!. 
لا أدري أضحكت على الجنرال الراعي أم على الشعب الرعية؟ فمهما وصلت بنا السذاجة لا يمكن أن نصدق أن رئيساً لم يحكم البلاد إلا لـ 15 شهراً حكماً صورياً، يتحمل المسئولية الأولى كما يدعي الجنرال عن تفشي الفساد وسوء الإدارة في موريتانيا التي لم تكن يوماً مثالاً يحتذى في الشفافية، بل إنه السبب كما قال ولد عبد العزيز في ارتفاع أسعار السلع الرئيسية وتزايد أحياء الصفيح وتفشي الأمراض، وربما لو أتيح له الوقت لحمَّله المسئولية عن سوء الأحوال الجوية وقلة التساقطات المطرية العام الماضي!.
زهايمر الشعوب 

خلال زيارة لولد الطائع لإحدى الولايات الشرقية قبل سنوات، فوجئ حرسه الخاص بأحد المواطنين يلوح بين الحشود المستقبلة للرئيس بصورة لسلفه ولد هيدالة، وبعد استجوابه والتنكيل به، قال ببراءة إنه ما حمل هذه الصورة معارضةً للرئيس ولا تعبيراً عن شجب سياساته البغيضة آنذاك، بل لأنه لم يعلم أن ولد هيدالة أطيح به قبل سبع سنين من ذلك اليوم، وعلى أي حال – أضاف المواطن المسكين – أعطوني صورة للرئيس الجديد وتنتهي المسألة. 
تذكرت هذه الحادثة وأنا أتابع أخبار الجنرال "المنقذ بأمر الله" وزياراته لأحياء الفقر والبؤس المحيطة بالعاصمة، وخلال تجواله في البلاد شمالاً وجنوباً واعداً بالنماء والازدهار، ومذكراً بأن سلفه "الشيخ السبعيني المؤتمن" هو من أهلك الحرث وأباد النسل، ولولا سياسات حكومته المتخبطة لكانت موريتانيا اليوم عضواً تاسعاً في مجموعة الثمان الكبار!! 

لسنا حمقى!! 

الشعب الموريتاني مسالم بالفطرة، وغالباً ما تقوده هذه الخصلة – السيئة أحياناً – إلى تصديق وعود كاذبة وخطب سرابية، إلا أنه ليس شعباً أحمق. فكل موريتاني يعلم يقيناً أن الرئيس المحتجز في بيته اليوم لم يكن له من الأمر شيء منذ قدومه من أدغال النيجر وترشيحه للرئاسة، وحتى تنحيته في أغسطس الماضي. 
فالجنرال وأعوانه هم من دعم ترشيحه ـ من فوق الطاولة ومن تحتها – وهم من كان يحرك خيوط الدمية، وما المسرحية البرلمانية رديئة الحبكة والانقلاب الذي أعقبها إلا غضبة سيد على مولاه الذي رام في ليلة مشئومة تحريك القيد وخلخلته. 
قديماً قيل بأن الشعوب تنسى تنكيل المستبدين بسرعة، لكن لا أظن أن الشعب الموريتاني سينسى هؤلاء، إلا إذا كانت الانقلابات المتعاقبة وشظف العيش ونكبات السنين قد أصابته بفقدان الذاكرة، مع أن ملامح القوم عصية على النسيان.

17 نوفمبر، 2008

الهاكرز الإنقلابي!



تعرضت مؤخراً مواقع إخبارية موريتانية للتخريب من طرف مجهولين ما أدى لاحتجاب أثنين منها – صحراء ميديا وأنباء - لعدة أيام، وكانت الساحة الإلكترونية قد شهدت بروز العديد من المواقع الإخبارية الجديدة منذ الانقلاب الأخير، وغدا تصفح الإنترنت عادة يومية أدمن عليها غالب الموريتانيين باختلاف أرائهم السياسية ومستوياتهم الثقافية.
موقع أنباء الإلكتروني كان أول المتضررين من هذه الحملة، حيث تعرض مقره للتخريب من مجهولين تمكنوا من الاستيلاء على أجهزته وحجبوه عن التصفح لعدة أيام، وتزامنت هذه العملية مع إعلان الموقع – الذي يعتبر أحد المواقع الجديدة - على صفحته الرئيسية عن نشر سلسلة حلقات تكشف أسرار خاصة وفضائح مدعمة بالأدلة والصور لقيادات ومسئولين كبار على صلة بالمجلس العسكري الحاكم.
الهدف الثاني لـ "الهاكرز الإنقلابيين" كان موقع صحراء ميديا أحد أكبر المواقع الإخبارية المحلية وأكثرها زيارة، حيث تعرض قبل أسبوعين لاختراق إليكتروني أدى لتعطيل في نظامه واختلال في ترتيب مواده مما قاد في النهاية إلى حجبه عن الشبكة الإلكترونية بشكل كامل والحيلولة دون الوصول إليه عن طريق عنوانه المعتاد.
وكشف البيان الذي أصدره القائمون عليه أن الموقع سبق أن تعرض لمحاولتين فاشلتين خلال الشهرين الماضيين استطاع منفذوهما تغيير الرمز السري للموقع، لكن سرعان ما تم إحباطهما من طرف الفنيين بعد اكتشاف هذه المحاولات في وقت مبكر، وتم التغلب على الإعطاب الناجمة عن هاتين المحاولتين.
وأكد البيان أن القائمين على موقع صحراء ميديا بعد بحث فني دقيق بشأن ما تعرض له الموقع اكتشف صلة جهات داخلية لم يذكرها بعملية التخريب هذه وحملها مسؤولية كل المحاولات الفاشلة السابقة، واصفاً المسئولين عن هذه الأضرار بالمتآمرين على الكلمة الحرة في موريتانيا، يذكر أن الموقع الذي أطلق في سنة 2002 يحسب على الجبهة المعارضة للانقلاب، ومن الغريب أنه بالدخول للعنوان القديم للموقع حالياً تظهر صفحة بالعبرية لموقع إسرائيلي!!.انقسام السياسيين والأحزاب إلى فسطاطين أحدهما معارض للانقلاب مناوئ لقادته والآخر مؤيد له واصفاً إياه بالحركة التصحيحية، والتطورات المتسارعة التي يشهدها الوضع السياسي المتأزم منذ ثلاث أشهر في البلاد والتي تعجز الصحف المطبوعة عن مواكبتها، والترقب لمعرفة ما يخبئه شروق شمس يوم جديد من مفاجآت لهم، كلها عوامل ساعدت في رواج المواقع الإخبارية المهتمة بالشأن المحلي الموريتاني. وحولت البعض منها بشكل غير معتاد محلياً إلى ساحات لتبادل الاتهامات والتراشق بالشتائم والعبارات النابية.
موقع تقدمي أحد هذه المواقع التي تحولت إلى ما يشبه صحف التابلويد الصفراء التي تنشر فضائح المشاهير وتركز على الأخبار المثيرة بغض النظر عن مصداقيتها، حيث أشتهر الموقع – المحسوب أصلاً على التيار اليساري – مؤخراً بالسجالات الحادة التي بات مسرحاً لها بين مؤيدي انقلاب السادس من أغسطس ومعارضيه، ولإذكاء جذوة هذا السجال ترك القائمون على الموقع الحرية لنشر تعليقات القراء التي لا يخلو أغلبها من عبارات غير لائقة.
رغم هذا توجد مواقع إخبارية رزينة حاول القائمون عليها التزام الموضوعية والحياد في نقل الخبر رغم ميول أصحابها لهذا الطرف أو ذاك كموقع الأخبار الإسلامي وأخبار نواكشوط المحسوب على النظام الحالي.
وأياً كان المسئول عن هذه الهجمات التي تعرضت لها بعض المواقع الموريتانية، وبغض النظر عن الدوافع والأيدي الخفية في الظلام، إلا أن هذه الظاهرة الجديدة على الساحة المحلية تعتبر دليلاً على مستوى التأثير الكبير الذي باتت تمثله الصحافة الإلكترونية على مجتمع كان إلى وقت قريب بعيداً عن الشبكة العنكبوتية وتعقيداتها.

08 نوفمبر، 2008

رؤساء أميركا..غرائب وطرائف!



يتوجه الأميركيون اليوم إلى مراكز الاقتراع لانتخاب رئيس جديد ليس فقط للولايات المتحدة الأميركية بل زعيماً متحكماً بالمنظومة العالمية باسرها.
فساكن البيت الأبيض لم يعد فقط رئيساً للولايات الإحدى والخمسين بل بات - بحكم النفوذ والسيطرة الأميركية على شئون العالم الاقتصادية والسياسية – شخصاً يصدر قرارات ومراسيم تؤثر في الحياة اليومية لكل فرد في العالم.
أوباما أو مكين أحدهما بالتأكيد سيكون الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة بعد ظهور النتائج في اليومين القادمين، لكن الأمر اللافت يكمن في اهتمام الشعب الأميركي بأمور بعيدة كل البعد عن كفاءة المرشح سياسياً ومعرفياً بل إن حياته الشخصية وتاريخه العائلي يأتيان في المقام الأول. ومن الطريف أن الموقع الالكتروني لمجلة (ناشيونال جيوغرافيك) الشهيرة قام بإعداد إحصائيات تاريخية لأمور بعيدة كل البعد عن السياسة وتعقيداتها.
فالمطالع للسير الذاتية للرؤساء الأمريكيين السابقين سيستغرب جداً حينما يعلم أن من بينهم من عمل جامعا للقمامة أو بوابا أو نادلا في حانة، ومنهم من أدمن الخمور واتهم بجريمة قتل. ويجد المتصفح للبيانات الرئاسية الأمريكية والمعلومات المتعلقة بالرؤساء كمية كبيرة من الأنباء الطريفة والغريبة بل والمدهشة أحياناً، فعلى سبيل المثال تضم قائمة المهن السابقة التي شغلها الرؤساء قبل بلوغهم المكتب البيضاوي مهن لا تصدق عمل بها قادة أقوى وأثرى دولة في العالم منها على سبيل المثال غاسل صحون وعامل بناء وعارض أزياء!.إحصائيات..طريفة!ويولع الشعب الأمريكي بالمقارنات والطرائف والأرقام ولا يستثني من ذلك رؤساءه، منها مثلاً أن أقصر رئيس حكم أميركا هو الرئيس الرابع جيمس ماديسون (1809-1817) الذي كان طوله لا يتجاوز 163 سنتيمترا ويزن نحو 45 كيلوغراما،أما أطول الرؤساء فهو الرئيس السادس عشر أبراهام لينكولن (1861-1865) الذي كان طوله يبلغ 193 سنتيمترا، فيما كان أضخم الرؤساء وأثقلهم الرئيس السابع والعشرين وليام تافت (1909-1913) الذي بلغ وزنه 136 كيلوغراما خلال توليه الرئاسة ويشاع عنه انه انحشر يوما في حوض الاستحمام في البيت الأبيض فأمر بتركيب حوض اكبر يقال انه كان يتسع لأربعة أشخاص من الحجم العادي معا.ويعد الرئيس الـ(40) رونالد ريغان اكبر رئيس سنا وقت انتخابه عام 1981 حيث كان يومها في سن التاسعة والستين أما اصغر رئيس منتخب فهو الرئيس الـ (35) جون فيتزجيرالد كينيدي (1961-1963) الذي وصل البيت الابيض وهو في الثالثة والأربعين غير أن اصغر رئيس يخدم على الإطلاق كان الرئيس ال 26 ثيودور روزفلت (1901-1909) الذي انتخب نائبا للرئيس وليام مكينلي وحل مكانه في الرئاسة بعيد اغتيال الأخير في سبتمبر 1901 على يد فوضوي مخبول وكان روزفلت يومها في الثانية والأربعين، أما أطول الرؤساء السابقين عمرا فكان جيرالد فورد (1974 - 1977) الذي توفي في سن 93 عاما يليه ريغان بنفس العمر.ومن بين المصادفات الرئاسية ان كلا من الرئيس الثاني جون آدمز والثالث توماس جيفرسون والخامس جيمس مونرو توفوا يوم عيد الاستقلال الرابع من يوليو وتوفي أول اثنين منهم في نفس العام 4 يوليو 1826 وهو أشهر يوم في التاريخ الأميركي والذي شهد كذلك ولادة الرئيس الـ (30) كالفين كوليدج في الرابع من يوليو 1872.منهم الزبال وغاسل الصحون !أما اغرب القوائم التي عرضها موقع ناشيونال غرافيك، فهي تلك المتعلقة بالمهن التي سبق للرؤساء الأميركيين شغلها خاصة تلك التي عملوا فيها خلال سنوات صباهم وشبابهم فهناك رئيس واحد هو الرئيس السادس والثلاثين ليندون جونسون (1963-1969) عمل جامعا للقمامة (زبالا) ضمن مهن متعددة اخرى مثل ملمع احذية وغاسل صحون ومشغل مصعد وبوابا وعامل مطبعة وعامل بناء وجامع فواكه وواضع افخاخ صيد وعامل مزرعة قبل ان يفتحها الله عليه ويصبح رئيسا للولايات المتحدة بعد ان شغل اولا عضوية مجلسي النواب والشيوخ على التوالي. ولم يكن جونسون الوحيد الذي عمل بمهنة بواب فقد عمل فيها رئيس امريكي آخر هو الرئيس العشرين جيمس غارفيلد (1881-1881) وهو اقصر رئيس يحكم الولايات المتحدة لحوالي الشهر قبل وفاته متغلبا بذلك على رقم وليام هاريسون وهو عمل كذلك في مهن اخرى مثل مشغل قارب ونجارا ومدرسا، وحظت مهنة غاسل صحون بثلاثة رؤساء امريكيين هم الى جانب جونسون جيرالد فورد ورونالد ريغان.وقد يصعب تصديق ان يكون رئيس امريكي سابق قد عمل عارض أزياء لكن هذا هو تماما ما فعله الرئيس جيرالد فورد الذي شغل بدوره مهنا متعددة اخرى مثل فراش وطاه (طباخ) وغاسل صحون وعامل حدائق ومدرب كرة قدم امريكية ومدرب ملاكمة ومحام.
أما الرئيس ريغان فهو من اشهر الرؤساء العصاميين الذين استهلوا طريقهم من تحت السلم لا أوله حيث عمل في صباه وشبابه مناد في السيرك وعامل بناء وغاسل صحون ومنقذ شواطىء ومدرب سباحة ومذيعا قبل ان يصبح ممثلا من الدرجة الثانية ثم لاحقا رئيسا واحدا من أشهر الرؤساء في تاريخ بلاده.ومن المهن الغريبة الاخرى التي شغلها الرؤساء السابقون مهنة خياط التي حظيت برئيسين هما الرئيس الـ(13) ميلارد فيلمور (1850-1853) والرئيس الـ(17) اندرو جونسون ومن العصاميين الآخرين كذلك وهم كثيرون الرئيس الـ(31) هربرت هوفر (1929 - 1933) الذي اتعسه سوء حظه بتولي الرئاسة في نفس العالم الذي بدأ فيه الكساد العظيم وهو الذي اطلق اسمه على سد هوفر احد اكبر السدود في العالم وعمل في صباه عاملا في مصبغة (غسال) وموزع جرائد وفراش مكتب قبل ان يعمل بمهنة مساح جغرافي ثم مهندس مناجم ولاحقا وزيرا للتجارة.كما عمل الرئيس الـ(37) ريتشارد نيكسون (1969-1974) حطابا فيما عمل الرئيس الثامن مارتن فان بورن (1837-1841) عامل توصيل طلبات ثم نادلا في حانة كما سبق للرئيس الـ(18) اوليسس غرانت (1869-1877) العمل بمهنة سائس خيول.طرائف المكتب البيضاوي!الرئيس الأميركي الوحيد الأعزب الذي لم يتزوج مطلقا كان الرئيس الـ(15) جيمس بوكانان (1857-1861) فيما عاود خمسة رؤساء الزواج بعد وفاة السيدة الأولى منهم اثنان تزوجا خلال فترة حكمهم الرئاسية هما جون تايلور وودرو ويلسون وهما من بين ثلاثة رؤساء فقط تزوجوا خلال فترة حكمهم مع غروفر كليفلاند الذي دخل البيت الابيض عازبا.أما الرئيس الوحيد الذي سبق له الطلاق فكان رونالد ريغان قبل توليه المنصب كما ان هناك 6 رؤساء لم يرزقوا بذرية اما اكثر الرؤساء انجابا فكان جون تايلور ورزق بـ(15) ابنا وابنة.وهناك ثلاثة رؤساء كان لهم أبناء بالتبني هم جورج واشنطن واندرو جاكسون ورونالد ريغان فضلا عن ثلاثة رؤساء كان لهم ابناء غير شرعيين هم توماس جيفرسون وغروفر كليفلاند ووارن هاردنغ، كما ان هناك ستة رؤساء سبق لهم امتلاك عبيد خلال فترات حكمهم من بينهم الاول جورج واشنطن.
ومن بين الطرائف الاخرى ان ثلاثة من الرؤساء عانوا من مشاكل بسبب تعاطي الكحول هم الرئيس الـ(14) فرانكلين بيرس (1853 - 1857) وال 18 اوليسس غرانت (1869-1877) واخيرا جورج بوش الابن الرئيس الحالي قبل توليه الرئاسة.
وعرف عن سبعة رؤساء اقامتهم علاقات غرامية خارج نطاق الزوجية آخرهم بيل كلينتون اما اولهم فكان توماس جيرفسون المؤسس، واشتهر عن الرئيس الـ(30) كالفت كوليدج (1923-1929) انه لم يكن يكتفي باقل من عشر ساعات من النوم يوميا وهو رئيس للبلاد ليستحق بذلك لقب (اكثر الرؤساء نوما) ومن المعروف ان الرؤساء الامريكيين لا ينامون في المتوسط لاكثر من خمس ساعات يوميا.
واخيرا هناك رئيسان اتهما بالقتل هم الاول جورج واشنطن الذي اتهم بقتل السفير الفرنسي خلال وقت سلم، وهي تهمة لم تثبت عليه كما قام الرئيس السابع اندرو جاكسون (1829-1937) بقتل خصم له قتلا "قانونيا" خلال مبارزة ثنائية بالمسدسات على طريقة الغرب المتوحش.

30 أكتوبر، 2008

طريق من حرير


البداية هي دعوة للجزيرة توك ووسائل إعلام عالمية متعددة إلى مهرجان طريق الحرير في دمشق ومنها الى باق المدن السورية ، فلتشاركونا الدعوة ولنسافر معا في طريقنا الحريري إلى سوريا لنعرض لكم في حلقات دورية يومياتنا هناك . كان الشرق طوال آلاف السنين مصدرا لغالبية السلع في تجارة العالم القديم، وبالإضافة إلى إنتاجه لهذه السلع لعبت القوافل التجارية دورا مهما في نقلها وإيصالها للمستهلكين في كل موقع من قارات العالم الثلاث المعروفة آنذاك. وكان المحور العالمي الأكثر أهمية للتجارة في العالم القديم يمتد من الشرق إلى الغرب ويليه في الأهمية محور آخر يسير بعكسه من الغرب إلى الشرق، وكانت منطقة الشام وأرض الرافدين نقطة التقاء القوافل القادمة من الشرق والغرب..

وقد نقلت التجارة المتداولة في هذين المحورين على طرق برية وبحرية أطلق عليها بعض الباحثين الأوربيين مسمى طرق الحرير، نسبة إلى الحرير الصيني الذي كان يعد أنفس سلعة ينقلها التجار على هذه الطرق. طريق الحرير لم تكن طريقا تجارية فقط تحمل الحرير من الصين والبهارات من الهند وتنقل إليها سيوف دمشق او مصنوعات العراق ونفائسها بل كانت إلى جانب ذلك تمثل تبادلاً ثقافياً وتمازجاً حضارياً بين الشعوب وتحمل الى جانب السلع والبضائع كتب الفلسفة والحكمة والشعر والطب وسائر أنواع العلوم والفنون.‏ ‏ ولقد ترجم كثير من المؤلفات النفيسة من اللغة الصينية عبر لغات أخرى كالهندية القديمة والفارسية الى اللغة العربية, ونقلت فيما بعد مؤلفات عربية في الطب والفلك والملاحة وغيرها الى اللغة الصينية.. فكان ذلك من أهم مظاهر التمازج الثقافي بين الشعوب. وفي السنوات الأخيرة أحيت سوريا هذا التراث الأصيل في شكل مهرجان سياحي سنوي تقيمه في مختلف محافظات البلاد وتنظم خلاله فعاليات ثقافية وفنية فلكلورية، كما تدعو اليه إعلاميين من بلدان العالم لإطلاعهم على السياحة في سوريا من خلال تنظيم قوافل تسلك ذات الطريق الذي كانت تسير عليه قوافل التجار قديماً.

يتبع ..

26 سبتمبر، 2008

الرأسمالية الحمقاء



الوصف المناسب للنظام الرأسمالي العالمي اليوم وتبعاً لما يمر به منذ فترة من هزات عنيفة وسقطات متتالية هو انه أصبح نظاماً أحمق، فمع فجر كل يوم تتعرّض الأسواق الماليّة في طوكيو ونيويورك ولندن وكل أنحاء العالم للاضطراب، وفي كل أسبوع تقريباً نشهد إفلاس مصرف أو نسمع عن إنهيار شركة متعددة الجنسيات وخسارة الآلاف لوظائفهم حول العالم.ورغم كل هذا يصر رعاة هذا النظام على مقدرة الرأسمالية والسوق الليبرالي على التعافي تلقائياً وأن ما نشاهده لا يعدو أن يكون نتيجة صحية لتفاعلات العرض والطلب والمضاربات الاقتصادية، متناسين - عن قصد ربما - أن ما نعيشه حالياً هو إشارات تنبيه تنذر بنهاية النظام المالي العالمي الذي وقع ضحية لمافيات أخطبوطية استغلت هامش الحرية الغير محدود في استخدام السيولة النقدية والأصول المالية للمصارف وسهولة الإقراض لمصالحها الخاصة، وغضت البنوك المركزية الكبرى الطرف عن هذه التجاوزات لتترك الثقب الأسود يتسع شيئاً فشيئاً مهدداً بالتهام المنظومة الاقتصادية الحالية.


طبيب بعد الموت


حين أعلن بنك "ليمان بروذرز" الأميركي -الذي بقي في السوق لمدّة 158 سنة -إفلاسه وخسر 25.000 أجير حول العالم وظائفهم. هز إفلاسه أركان النظام المالي العالمي وأستيقظ عرابوه بعد فوات الأوان، حيث إن إعلان" ليمان بروذرز" لإفلاسه يعني ضمنياً انهيار أكثر من 15 مصرفاً ومؤسسة مالية تابعة له بشكل مباشر، وهو ما دفع السلطات الماليّة الأميركيّة ممثلة في "بنك أوف أميركا" بتبنّي بنك"ميريل لينش" ودفعت 50 مليار دولار له في المقابل. ولو لم يحصل ذلك، لأفلس هذا المصرف أيضاً. إضافةً إلى ذلك، أعلنت أكبر شركة تأمين أميركيّة AIG حاجتها لمبلغ 40 مليار دولار خلال ساعات، تحت طائلة الإخلال بالتزاماتها وطلبت قرضاً من الاحتياطي المالي الفدراليّ قبل فوات الأوان.حدث كل ذلك بعد أسبوع فقط من تأميم أكبر شركة شبه حكوميّة في العالم للقروض العقاريّة «fannie mae» و«Freddie mac» لحماية مالكي العقارات الأميركيّين وقطاع القروض العقاريّة من الإفلاس. وبما ان هذان الدائنان يملكان أكثر من 40% من القروض العقاريّة في الولايات المتّحدة و85% من القروض الجديدة. فعدم تمكّنهما من العمل، كان سيؤدّي إلى الانهيار التام للسوق العقاريّة. ولذلك، اضطرّت إدارة بوش إلى تأميمهما!وذات الأمر حدث في بلدان أخرى - أو كادَ - كبريطانيا واليابان وأخيراً في الإمارات حيث ضخ البنك المركزي مليارات الدولارات في السوق المالي المحلي لتمكين المصارف من تسيير أعمالها الاستثمارية، والغريب في الأمر أن هذه الأموال التي توزع على المؤسسات البنكية مأخوذة قي الأصل من جيوب دافعي الضرائب وحقوق المواطنين الفقراء في ثروات بلادهم لتعطى لملاك المؤسسات المالية الكبرى التي هي السبب في هذه الأزمة لسعي أصحابها المحموم لمضاعفة أرباحهم الشخصية!


إفلاس العالم


المتابع العادي لتطورات الأزمة المالية الحالية سيرى بشكل جلي أن كل هذه الإجراءات لم توقف الانهيار الاقتصادي العالمي الذي يتزامن مع أزمة غذائية غير مسبوقة قفزت فيها أسعار المواد الزراعية لأرقام غير مسبوقة في التاريخ، هذا بالإضافة إلى تأثيرها الكبير على الميزانيات التي كانت مخصصة للبحوث العلمية والتكنولوجيا المتقدمة بسبب صرف البلدان النظر عن هذه المخصصات وتحويلها لما هو أولى، كالغذاء والصحة. فهل نحن أمام نهاية الثورة الصناعية الحديثة؟ وهل سنستيقظ في يوم قريب على إفلاس المنظومة الاقتصادية الرأسمالية؟ أم في النهاية، ستتعافى الرأسماليّة من تلقاء نفسها كما يدعي اقتصاديو الغرب؟.من الأكيد أنه إن استمر الحال على ما هو عليه فسنعود قريباً لنظام المقايضة البدائي بعد أن تغدو العملات والسندات المالية مجرد أوراق يمكن استخدامها لإشعال النار في المدافيء.

16 سبتمبر، 2008

"تورين".. والقادم أدهى !


لا شك أن خارطة موريتانيا مترامية الأطراف تمثل عبئاً وعائقاً كبيراً أمام السيطرة التامة لحكام نواكشوط على مجمل أراضيها، ولا يخفى على الموريتانيين أن قدرات جيشهم المحدودة عدةً وعتاداً إضافة لمستوى عناصره الضعيف من ناحية التكوين والتدريب العسكري كلها عوامل تجعل من الجيش الموريتاني الطرف الأضعف في أي مواجهة مع تنظيم متمرس كتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي أنهك جيشاً قوياً كالجيش الجزائري وأستطاع ضرب مناطق حيوية في الجزائر العاصمة.

لمغيطي الثانية


كانت أولى "غزوات" القاعدة في موريتانيا قد أودت بخمسة عشر عنصراً وعشرات الجرحى صيف 2005 بعد هجوم مباغت على حامية لمغيطي شمال البلاد.

واستمرت عمليات التنظيم بشكل متقطع منذ ذلك الحين في الأراضي الموريتانية حتى استطاع بعض أفراده الاشتباك مع قوات الأمن في قلب نواكشوط العاصمة نهاية العام الماضي.

أما عملية تورين بالأمس والتي إن ثبتت الأنباء التي تتحدث عن مقتل 12 جندياً فيها ستكون ثاني أكبر هجوم بعد لمغيطي، وتبين هذه الحادثة لمتتبعي الشأن الأمني الموريتاني أن تنظيم القاعدة قادر وبسهولة على ضرب القوات الموريتانية في الوقت والمكان الذي يريد، والمانع الوحيد الذي يقف دون توجيهه ضربات موجعة ومتكررة في شمال البلاد هو كون قادة التنظيم لا يعتبرون موريتانيا هدفاً إستراتيجياً لهم وبالتالي لا تتعدى عملياتهم فيها نوعاً من إثبات الوجود وإيصال رسالة مفادها أن القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي تنظيم إقليمي لا يعترف بالحدود.


جيش يحتاج لحماية!


لكن ما يثير الأسف والشفقة هو حال الشعب الموريتاني الذي يعتمد للذود عن أراضيه على قوات "مسلحة" لا تقدر على حماية نفسها!. فقادة جيشه لا همَّ لهم سوى الوصول إلى السلطة والحكم وتدبير الانقلابات تلو الإنقلابات، والغريب أن أي عقيد أو جنرال ينجح في الوصول الى السلطة يبدأ فوراً بتفكيك فصائل الجيش وخلخلته حتى يأمن على "عرشه" من غدر الرفاق.

وهكذا في لمغيطي فقد الجيش الموريتاني 15 جندياً وعشرات الجرحى، وفي العام الماضي قُتل أربعة عناصر منه في مطاردة قرب العاصمة بمنطقة الغلاوية، وبالأمس في تورين تحدثت الأنباء عن مصرع 12 عنصراً آخر من جنوده إن لم يكونوا أكثر، فهل يعقل أن جيشاً يمتلك مقاليد السلطة منذ ثلاثة عقود متتالية عاجز عن حماية حدود دولته؟ وهل توجد في العالم أجمع قوات مسلحة مهما كان ضعفها تعجز عن التصدي لهجمات متكررة وفي ذات المنطقة الجغرافية – التي تحتضن أهم مناجم البلاد وثرواتها المعدنية- من عصابات غير مدربة؟ والغريب أن المنطقة الشمالية منطقة صحراوية التضاريس أي أنها خالية من الغابات والجبال الوعرة، مما يسهل مراقبتها والتحرك فيها.


..والثالث قادم


"تورين" المنطقة التي حدث فيها هجوم الأمس تعني في العامية المتداولة محلياً جولتين، وهي ترجمة لكلمة tour بالفرنسية، فهل ستكون الجولة الثالثة في منطقة أخرى قريباً؟ لاشك في أنه إن استمر حال موريتانيا على ما هو عليه، من تخبط سياسي وإحتقان أمني ومستقبل غامض، فالقادم أدهى.

10 سبتمبر، 2008

القبيلة.. خط أحمر !


بعد مناشدات وضغوط كبيرة قامت بها أوساط قبلية في السعودية وبلدان عربية أخرى، أوقف رئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد شخصياً عرض أحد المسلسلات البدوية الرمضانية بعد أن أثار حفيظة هذه القبائل، ويأتي إيقاف عرض مسلسل "سعدون العواجي" الذي كانت تبثه حصراً قناة أبو ظبي وأنفقت عليه ميزانية ضخمة بعد حادثة مماثلة في قناة mbc التي أجلت مسلسلاً بدوياً آخر بعنوان " فنجان الدم "، يتحدث عن قصص واقعية لصراعات جرت بين قبائل في الجزيرة العربية في القرنين الماضيين.

وبما أن القبيلة و"امجادها التليدة" خط أحمر لايجب تجاوزه أو حتى الإقتراب منه، جنى منتجوا هذه المسلسلات على أعمالهم وأنقلبت الأرباح التي كانوا يتوقعون تحصيلها الى خسائر فادحة، بل وصل الأمر الى تهديد حياة كل من شارك فيها من ممثلين.


الغريب هنا ليس مسألة إيقاف هذه الأعمال التلفزيونية التي أنفقت عليها الجهات المنتجة ملايين الدولارات وأستغرق تصويرها شهوراً طويلة، بل ما يثير العجب هو مدى فعالية هذه الضغوط القوية والسريعة التأثير التي فجرها تناول الدراما العربية لقصص مقتبسة من الموروث الشعبي الذي لا يخلو من شوائب خيالية، بدعوى أنها تحيي نعرات قبلية وتسوق لانتصارات بعض العشائر على عشائر أخرى في معارك السيطرة والنفوذ التي كانت سائدة في هذه المنطقة قبل ظهور الدول الحديثة.

بينما بحت حناجرنا وجفت أقلامنا لكثرة انتقاد المسلسلات التركية والمكسيكية والبرامج الأمريكية التي تصر هذه القنوات على بثها مترجمة ومدبلجة برغم ما تحمله من سموم فكرية بادية للعيان، أقلها تشويه سمعة الإسلام والمسلمين وإرغامهم على تقبل أخلاقيات دخيلة لا تمت بِصلة للأخلاق الحميدة التي يجب أن نسعى للحفاظ عليها.


ألا يحق لنا في هذا المقام أن نتساءل عن الفائدة التي يمكن أن نجنيها من التعرف على خصوصيات من يجلس على كرسي لكشف الكذب ليجيب عن أسئلة تطرح عليه بخصوص حياته الجنسية وخيانته لزوجته وكيف إختلس أموالاً من خزينة شركته التي يعمل فيها، كما في أحد البرامج الأميركية التي تعرضها محطة عربية؟، أم أن معرفة ما ستنتهي إليه علاقة غير شرعية بين بطلي مسلسل تركي - فاشل في بلده الأصلي - هي مبرر مقنع لمتابعة ما يزيد على مئة حلقة مدة كل منها ساعة وأكثر؟

ألا تستحق هذه المسلسلات أن نعترض عليها أيضاً؟ الا نملك الحق في المطالبة بالحد الأدنى من القيم ولو خلال هذا الشهر الفضيل على الأقل؟ أم أن الحمية للقبيلة وتاريخ الأجداد وأمجادهم أقدس من المحافظة على قيمنا الإسلامية وعادتنا الأصيلة؟ ألم يكن حرياً بمن تدخلوا لإيقاف هذه الأعمال الدرامية الرمضانية أن يفعلوا الشيء ذاته لإيقاف عرض ستار أكاديمي وهزي يا نواعم؟


أثيرت هذه الأسئلة في نقاش حضرته بخصوص هذا الموضوع، وكان من بين المتدخلين من أجاب بان المحطات التلفزيونية التي تكبدت خسائر مالية فادحة بسبب وقف مسلسلاتها لهذا العام ستتجه لإنتاج مسلسلات مدبلجة من تركيا أو حتى من إسرائيل في رمضان القادم..... ولن يكون بأيدينا إلا أن نقول رمضان يجمعنا... وفالكم طيب!!

23 أغسطس، 2008

ولد المختار:حرية الإعلام إنتكست بعد الانقلاب الأخير



عرفه الجمهور المحلي كمقدم نشرات إخبارية، ومقدم برنامج "بصراحة" البرنامج الحواري المباشر الذي ناقش الكثير من القضايا السياسية والاجتماعية في موريتانيا، وأثار الكثير من الجدل في الساحة السياسية، وكان من أكثر برامج التلفزيون متابعة وتأثيرا، إلى أن تم توقيفه بقرار إداري أواخر 2007 إثر حلقة مع المفتش العام للدولة أحرجت السلطات السياسية في البلد. كما أعد وقدم برنامج "ضيف الساعة" وهو برنامج يستضيف رؤساء الأحزاب السياسية، وقد أثار هو الآخر الكثير من الجدل في الساحة السياسية الموريتانية، وشكل فضاء واسعا للسجال السياسي بين مختلف القوى السياسية المحلية. بعد انقلاب 6 أغسطس الأخير على الرئيس ولد الشيخ عبد الله تبنت الإدارة الجديدة للتلفزيون خطا تحريريا مكرسا لتمجيد الحاكم العسكري الجديد دون مراعاة لأبسط الأسس والضوابط المهنية والأخلاقية..
وهو ما دفعه إلى تقديم استقالته من وظيفته كمدير للقناة الثانية، الخطوة التي أثارت الكثير من ردود الفعل المؤيدة لهذا الشاب الصحفي الناجح الذي ضحى بكل المكتسبات المادية والمهنية من اجل إرضاء ضميره . الجزيرة توك أجرت اللقاء التالي مع مدير القناة الثانية في التلفزيون الموريتاني المستقيل إسحاق ولد المختار كأول وسيلة إعلام يتحدث لها بعد استقالته.


الجزيرة توك - حدثنا عن البدايات المهنية لإسحاق ولد المختار في التلفزيون الموريتاني وكيف وصل إلى رتبة مدير للقناة الجديدة في فترة زمنية قياسية نسبياً؟


بدايتي المهنية في التلفزيون كانت عندما تابعت إعلانا عن مسابقة لاكتتاب مقدمي برامج حوارية في التلفزيون الموريتاني، وكنت حينها أعد للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمتابعة تعليمي العالي هناك، فكرت في الموضوع ثم تقدمت بملف إلى لجنة المسابقة. وبعد نجاحي على رأس ثلاثة صحفيين من بين أزيد من مائة وعشرين مشاركا، قدمت لإدارة التلفزيون تصورا لبرنامج اسمه "بصراحة" يعالج قضايا الوطن وهموم المواطن بأسلوب مباشر وصريح. وطبعا كانت ظروف البداية صعبة للغاية، وكنت مع زملائي في فريق العمل نصل الليل بالنهار في إعداد هذا البرنامج، وكنا نحرص على اختيار القضايا ذات العلاقة المباشرة بحياة المواطن، إضافة إلى قضايا من نوع "المسكوت عنه" في المجتمع سواء في الحياة الاجتماعية أو السياسية، وهذا ما جعل هذا البرنامج يلقى قبولا جماهيريا واسعا. ولا أخفيكم سرا أن هذا البرنامج على الرغم مما عرضني له من مخاطر ومشاكل كثيرة، إلا أنه هو الذي أنار لي طريقي المهني، وفتح لي الأبواب فيما بعد.


الجزيرة توك - يرى بعض المتتبعين أنه في فترة الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله لم تكن هناك حرية مطلقة للإعلام الرسمي، وسجل مؤخراً تراجع في هذا المجال من قبيل إيقاف برامج إذاعة المواطنة و التعتيم على الأنشطة الحزبية والفعاليات المناوئة للحكومة. فلماذا لم تتخذ هذه الخطوة في ذلك الحين؟


أكيد أن حرية الإعلام شهدت تراجعا ملحوظا منذ تسلم الرئيس سيد محمد ولد الشيخ عبد الله مقاليد الحكم، وكان من أبرز مظاهر هذا التراجع كما ذكرتم إيقاف برامج إذاعة المواطنة عبر إذاعة موريتانيا، إضافة إلى نوع من التركيز الإعلامي على أنشطة السيدة الأولى ومنظمتها الخيرية، كما كان من بينها أيضا إيقاف برنامج "بصراحة"، بعد أن أثار الكثير من الجدل في الساحة السياسية، وناقش العديد من القضايا الأساسية التي أحرجت السلطات السياسية فيما يبدو ومن بينها على سبيل المثال: موضوع الفساد المالي والإداري، وأزمة المياه، وقضية أحياء الصفيح في أطراف نواكشوط التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة.. فلا جدال في أن حرية التعبير شهدت تراجعا ملحوظا في عهد ولد الشيخ عبد الله، ولكننا كنا نجد الفرصة لانتقاد ذلك وعلى شاشة التلفزيون، وعبر أمواج الإذاعة. وأذكر هنا أنه عندما أسند لي تقديم برنامج "ضيف الساعة" مع مطلع السنة الجارية، كنت أحرص على أن أتطرق لهذا الموضوع في كل حلقة تقريبا من حلقاته مع ضيوفي من رؤساء أحزاب سياسية وشخصيات سامية في الدولة. إذن صحيح أن التضييق كان موجودا، لكنه كان نسبيا ومحصورا أساسا في مظاهر معينة لا يكاد يتعداها، ومن هذه المظاهر ما ذكرت سالفا. لذا لم يكن واردا اتخاذ خطوة من هذا القبيل ما دام المجال مفتوحا للرأي والرأي الآخر، وما دمنا نختار ضيوف برامجنا بحرية تامة، وما دام بوسعنا أن نقدم كل الآراء عبر برامجنا دون أي رقابة أو تضييق، أما الآن فقد اختلف الوضع كليا، فلم يعد في التلفزيون مجال للرأي الآخر، ولا متسع لأبسط الضوابط المهنية والأخلاقية، وأصبحت نشرات الأخبار وكل البرامج هي عبارة عن فضاء حصري على أنصار الحاكم العسكري الجديد، يقدمون من خلالها على مدار الساعة كل أنواع التمجيد والتطبيل دون أدنى مراعاة للضوابط والأسس المهنية والأخلاقية للعمل الإعلامي.


الجزيرة توك - رغم تفهم الكثيرين للدوافع التي ذكرتها في استقالتك، إلا أن البعض يتساءل عن تفصيل الأسباب التي دفعتك فعلاً إلى هذه الخوة الجريئة، والتفريط بمنصب مدير للقناة الثانية في التلفزيون المحلي وأنت الشاب الصحفي الذي مازال في بداية المشوار ويرسم لنفسه أمالاً كبيرة في المستقبل؟


الدوافع الحقيقة هي ذاتها التي في الرسالة، وهي بطبيعة الحال دوافع مهنية خالصة.. أما ما يتعلق بالمنصب فيمكنني القول أنني شغلته أصلا بعملي المهني فقط، وليس بشيء آخر مما هو معروف في مجتمعنا، وقد تخليت عنه عندما رأيت أن ظروفه الجديدة لا تناسبني. وطبعا هناك آمال كبيرة وطموحات لا حدود لها، ولكن هذه الآمال والطموحات لا بد لها من أرضية صالحة لتنمو فيها وتترعرع، وقد رأيت أن الأرضية الحالية لا تتوفر فيها تلك المقومات.


الجزيرة توك - هل كانت توجد توجيهات محددة من إدارة التلفزيون بتغيير السياسة المتبعة إبان المدير السابق؟


لا أريد الدخول في تفاصيل شخصية، لكن المؤكد هو أن الخط التحريري الجديد يختلف جذريا عن ما كان معتمدا في المرحلة الماضية.


الجزيرة توك - هل تعرضت لضغوطات من أي نوع لثنيك عن هذا القرار، كالتهديد أو الإغراء من قبل أطراف معينة؟


بالطبع كانت هناك إغراءات في الأيام التي سبقت تقديم الاستقالة، وخاصة عندما كنت أحاول إقناع الإدارة بضرورة الانفتاح على كل الآراء، واعتماد المهنية كمرجع أساسي للعمل، ولكن ذلك لم يكن ليثنيني عن قرار اتخذته عن قناعة تامة.


الجزيرة توك - هل يوجد داخل مؤسسة التلفزيون المحلي من يعارض الحالة الراهنة؟


بكل تأكيد، كلهم يعارضون الخط التحريري الجديد، ولكنهم مغلوبون على أمرهم، ما بين خائف على لقمة عيشه، ومقيد باعتبارات سياسية واجتماعية خاصة.


الجزيرة توك - كيف ترى مستقبل الإعلام الرسمي الموريتاني بعد الانقلاب الأخير على الديمقراطية؟


لا شك أن الإعلام الرسمي في موريتاني شهد في السنوات الأخيرة مستوى لا بأس به من الانفتاح، وذلك ما أهله لكسب قدر معتبر من المصداقية لدى المواطن، وقد سعت السلطات السياسية في المرحلة الماضية إلى ترجمة هذا الانفتاح في قانون لقطاع السمعيات البصرية من شأنه إفساح المجال أمام الاستثمار الخصوصي. وكان ضروريا أن يُهيأ لهذا القانون بترسيخ أكبر لحرية التعبير في المؤسسات الرسمية، التي ستصبح بفعل القانون الجديد مؤسسات عمومية، حتى تكون قادرة على الصمود في وجه المنافسة. غير أن توقيت الانقلاب جاء في وقت حاسم بالنسبة لهذه التجربة الإعلامية الوليدة، والكثير من المراقبين يقولون أن المعطيات المتوفرة حاليا تشير إلى أن هذه التجربة ستشهد انتكاسة كبيرة، وعودة إلى مربع الأول، وهذا ما لا نتمناه، ونطالب كل القوى الحية في مجتمعنا بالوقوف في وجهه.

15 أغسطس، 2008

بلاد الشعر تنتزع إمارته





لم تنم نواكشوط ليلة البارحة، وكيف لها ذلك؟ بعد أن استمرت الأهازيج وتعالت أصوات منبهات السيارات حتى بزوغ الفجر، وانطلقت المسيرات بعفوية - ليس لتأييد الانقلاب العسكري الأخير أو لمعارضته هذه المرة – بل فرحاً بتتويج الشاعر سيدي محمد ولد بمبا أميراً للشعراء بعد فوزه بالمركز الأول وحصوله على مليون درهم وبردة الأمير وخاتم الإمارة في الحلقة الختامية من البرنامج الذي تعده هيئة أبوظبي للثقافة والتراث وحل في المرتبة الثانية الشاعر السعودي محمد يعقوب والثالث الشاعر المصري أحمد بخيت ورابعاً الشاعر الأردني مهند ساري وفي الرتبة الخامسة الشاعر الموريتاني الآخر أدي ولد أدبه.

الفوز بهذا اللقب وإن كان شكلياً في نظر الكثيرين - للمآخذ على طريقة اختيار الشعراء والقصائد التي لا تعتمد بشكل أساسي على القيمة الفنية والمستوى الأدبي بقدر ما يؤثر فيها تصويت المشاهدين - إلا أن انتزاع بلد المليون شاعر للإمارة بعد أن تأهل منها شاعران للمرحلة النهائية وفازت بوصافة العام الماضي دليل قاطع على أن هذا الوصف الذي أطلقه أحد الصحفيين الذين زاروا موريتانيا في ستينيات القرن الماضي مجازاً، لم يأتي من فراغ.

بلاد شنقيط –الاسم القديم لموريتانيا حالياً – عرفت منذ القدم بفصاحة لسان أبنائها وشغفهم الكبير بحفظ الشعر وقرضه، حتى أن الصبي يحفظ المعلقات السبع وديوان الحماسة قبل بلوغه الحلم، حيث تعتمد المحاظر التقليدية (الكتاتيب) في نظامها التعليمي تحفيظ طلبتها القرآن الكريم أولاً، ثم قصائد فحول الشعراء الجاهليين ليتمكنوا من ناصية اللغة العربية ولإثراء مخيلتهم بأكبر قدر من المفردات اللغوية الأصيلة، وهذا ما جعل اللهجة الحسانية المتداولة في موريتانيا أغنى اللهجات العربية بالمفردات والمعاني القديمة، حتى إنك لتجد فيها عبارات من لغة أهل نجد القديمة.



أنجبت شنقيط الكثير من الشعراء المميزين على مر العصور، فاقوا في شاعريتهم الكثير من شعراء المشرق العربي ممن خلدهم التاريخ الأدبي واصبغ عليهم الألقاب والمراتب، ولولا القصور الكبير في جمع وتحقيق دواوين الشعراء الموريتانيين - لأسباب عدة منها ضياع الكثير من المخطوطات التي تحوي أشعارهم بسبب التلف ولانعدام دور النشر في البلاد - لما سبقوهم إليها.

الجيل الجديد من الشعراء الموريتانيين لم يفرط في ميراث أجداده الأدبي، وانتقلت إليه جينات الإبداع الشعري، فبرزت أسماء هامة في الساحة الأدبية المحلية أبانت عن قدرات كبيرة صمدت في وجه موجة التغريب العاتية التي حملها الاستعمار وزادتها وسائل الإعلام الجديد التي أبرزت أنواعاً لم تكن معروفة من "الإبداع الفني" طغت على ما سواها.

حتى أن المواطن الموريتاني العادي ما زال يولي اهتماماً كبيراً بالشعر فصيحِ وشعبي، ولم تلهه الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد الآن عن ذلك، ولعل المتابعة الجماهيرية الكبيرة التي يحظى بها برنامج أمير الشعراء هي العامل الأكبر في فوز سيدي محمد ولد بمبا- الصحفي بقناة الجزيرة الفضائية - بإمارة الشعر، ليس تقليلاً من مستواه ولكن لأن القائمين على البرنامج لهم أهداف ربحية من ورائه، وبالتالي يعتمدون على تصويت المشاهدين والرسائل الهاتفية بالأساس، كما أن قدراً من الجفاء شاب علاقة ولد بمب بلجنة التحكيم الحد الذي وصل إلى التلاسن في إحدى الحلقات.

يذكر أن الشاعر محمد ولد الطالب فاز في العام الماضي بالرتبة الثانية في نفس البرنامج، بعد أن حصل الشاعر الإماراتي عبد الكريم معتوق على لقب أمير الشعراء لأول مرة.

07 أغسطس، 2008

جمهورية الانقلابات



جمهورية الانقلابات هي الاسم المناسب الذي يمكن إطلاقه اصطلاحاً على الجمهورية الإسلاميةالموريتانية التي هي باختصار موقع جغرافي متأخر في خارطة العالم العربي ونسيج اجتماعي معقد يتكون من إثنيات عربية إفريقية لا يربطها سوى الدين الإسلامي ووحدة المصير. ومما لاشك فيه أن هذه المتناقضات كان لها بالغ الأثر في مصير هذه البلاد التي لم تكن توجد على الخارطة كدولة قبل 48 عاماً.

الكرسي المهزوز

شهدت موريتانيا خلال هذا العمر الفتي نسبياً سبعة رؤساء وعشر انقلابات وخمس محاولاتفاشلة لزعزعة الحكم، واعتاد أهالي نواكشوط – العاصمة التي تفتقر لأبسط مقومات الحياةالمدنية رغم ثروات البلاد العديدة – على النوم تحت قيادة الرئيس العقيد فلان، لتشرق شمس اليوم الجديد على حاكم جديد هو الرائد عِلان – قبل أن يدخل الجنرالات في القائمة -، ولعل طيبة الشناقطة التي توارثوها منذ أجيال ونزعتهم المسالمة ساعدت في استمرار سلسلة الانقلابات (الحمقاء) طيلة هذه السنين.

البيان رقم 1..عاشر مرة !

أصدر أول (بيان رقم 1) في العاشر من يوليو عام ألف وتسعمائة وثمانية وسبعين حين انقلب الجيش الموريتاني على الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، وتواصلت بعد ذلك سلسلة انقلابات متتالية طوال العقدين الماضيين تداول خلالها جمع من الضباط زمام السلطة، وبرغم كون هذهالانقلابات تشترك في أن أغلبها تم بطريقة سلمية ومن دون إراقة للدماء – باستثناء محاولة الثامن من يونيو 2003 – إلا أنها أيضاً تسببت مجتمعة في عرقلة الحركة التنموية لموريتانياالتي تعاني من الكثير من المشاكل الاقتصادية ويقبع نصف سكانها تقريباً تحت خط الفقر.




انقلاب الأمس

بغض النظر عن حيثيات انقلاب الأمس الذي أزاح فيه الحكام الفعليون للبلاد اللثام عن وجوههمبإسقاط الرئيس المنتخب ولد الشيخ عبد الله – الذي لم يكن له من الأمر شيء – فمن غير الواضح ما سيطرحه القادة الجدد القدماء كبديل عن رئيس منتخب ديمقراطياً أمام الشعب والرأي العام العالمي، كما أن وضع البلاد وكل هيئاتها الإدارية بات في مهب الريح، وأمام بلاد السيبة– كما كانت تعرف سابقاً – مستقبل حالك الملامح.

04 أغسطس، 2008

من سينتصر البيادق أم الملك؟



اعترف الرئيس الموريتاني سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله بشكل صريح ولأول مرة بدعم المجلس العسكري - الذي كان يحكم البلاد إبان الفترة الانتقالية - لترشحه أثناء الانتخابات الرئاسية، وهو ما كان ينفيه مراراً. وفي برنامج "لقاء خاص" الذي بثته قناة الجزيرة - بالتزامن مع الذكرى الثالثة لإنقلاب الثالث من أغسطس الذي اطاح بنظام ولد الطايع - قال ولد الشيخ عبدالله أن من بين الضباط الذين ساندوه خلال الانتخابات الرئاسية، الجنرالين محمد ولد عبد العزيز ومحمد ولد الغزواني. اللذين قال إنه عينهما في مناصب سامية لثقته فيهما، حيث ان الأول قائد أركان رئاسة الجمهورية والثاني قائد أركان الجيش.


ومن الغريب أنه في ذات الحوار نفى ولد الشيخ عبد الله أن يكون آلة في يد الجيش كما يشاع في الشارع المحلي، وقال متهكماً أنه يسمع هذه الأقاويل من خلال الصحف. وهو ما يكشف التناقض الكبير في تصريحات الرئيس الموريتاني الذي طلب من قناة الجزيرة أن تعد اللقاء معه أثناء وجوده في أسبانيا، مما أعطى انطباعاً خاطئاً لمتتبعي الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد منذ أشهر مفاده أن الرئيس سيطلق تصريحات جديدة وهامة لا تسمح له الظروف الحالية بإعلانها من نواكشوط. كما أن موضوع تهديده بحل الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ جاء في سياق جملة شرطية تحتمل أكثر من تأويل، حيث قال أن البرلمان إذا تحول إلى معيق للبرامج الحكومية التي يسعى لتنفيذها فمن "المحتمل" أن يلجأ الرئيس لكل الخيارات الدستورية المتاحة والتي منها حل البرلمان، حيث أن الدستور الموريتاني نسخة معدلة من الدستور الفرنسي في فترة ديغول والذي يعطي صلاحيات كبيرة لرئيس الجمهورية.

ومن الطريف أنه تسري نكتة في الشارع المحلي تقول إن تهديد الرئيس بحل البرلمان لا يختلف عن ما أعلنه في خطابه الأخير للأمة والذي سبق إعلان الحكومة الجديدة، حين شدد على أن الحكومة لن تقال، وهدد البرلمانيين المطالبين بذلك بالتسريح. ولكن الحكومة أقيلت والنواب خرجوا منتصرين.



كما دافع ولد الشيخ عبد الله عن الهيئة الخيرية التي تديرها حرمه ختو بنت البخاري، التي أطلقت ألفاظاً نابية بشكل فج أثناء مؤتمر للجالية الموريتانية في مدريد بحق بعض الشيوخ والنواب المطالبين بالتحقيق في مصادر تمويل هيئتها، ولم يذكر الرئيس مصادر تمويل الهيئة المثيرة للجدل مكتفياً بالقول إنه هو شخصيا يتبرع لها دائما بربع راتبه الشهري!!.


وبخصوص علاقات موريتانيا بإسرائيل – والتي كان إنهائها من ضمن تعهداته الانتخابية - رفض ولد الشيخ عبد الله تحديد موعد للبت في مصير هذه العلاقات قائلا إنه مسئول عن مصالح الشعب الموريتاني، الذي اعترف بأن أكثريته تطالب بقطعها، ولكنه قال إن هذه الأكثرية لا تدرك حقيقة الأوضاع الدولية ومصالح البلد. معتبراً أنه أدرى بمصلحة البلاد من هذه الأكثرية!!

المواطن الموريتاني المسكين - الذي يتضور جوعاً - زادته تصريحات الرئيس يقيناً بأن بلاده اليوم كالسفينة التي تتقاذفها الأمواج العاتية بلا ربان. بل هي أشبه ما تكون برقعة الشطرنج التي تتداولها أيدي من لا يجيدون التعامل مع أساسيات اللعبة، فتارة تجد الملك مهدداً من البيادق، وتارة نرى الملكة تعيث فساداً بالمكان، والأمر الذي لم يعد خافياً أن اللاعب الأساسي الذي يحرك كل هذه الأجسام موجود في مكان ما، وسيظهر قريباً، ربما أقرب مما يتصور الجميع.

19 يوليو، 2008

المديح النبوي..موروث شعبي أصيل



ظلت المدائح النبوية التي تعدد شمائل وصفات النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام وتحكي سيرته وسير أصحابه ركناً ركيناً من الموروث الشعبي الموريتاني منذ القدم. وما تزال حتى اليوم تلقى قبولاً من المستمعين والمهتمين بالفلكلور المحلي.


وخلافاً للحال في أغلب البلدان المغاربية المجاورة التي ورثت الموشحات والترانيم الدينية الأندلسية وأضافت عليها لمسة محلية خاصة من خلال اختلاف اللهجات والموسيقى لكل بلد، احتفظ المديح النبوي في موريتانيا بطابعه التقليدي الذي يمكن أن يوصف بأنه تمازج بين الموسيقى الإفريقية والإنشاد العربي، حيث أن المديح النبوي الموريتاني يعتمد على ضرب الطبل والإنشاد الفردي للمغني الذي يعرف محلياً بالمداح، بمرافقة كورس يقوم بالتصفيق وترديد نهج النشيدة ويطلق عليهم "الشدَّادة".


وتقام حلقات المديح النبوي في الغالب ليلاً ويفضل أن تكون ليلة الجمعة، ويتنادى إليها أهالي القرية للاستماع للمداح الذي يتنقل بين الأناشيد المختلفة المعروفة بـ"الأشوار" أو "لكرز" وفقاً لسلم موسيقي محلي يراعيه المنشد الذي غالياً ما يكون هو ذاته ضابط الإيقاع على الطبل.
و يعتمد المديح النبوي الموريتاني قصائد معروفة ومنظومة باللهجة الحسانية المحلية، تستند على سرد قصصي للسيرة النبوية وغزوات المسلمين في فجر الإسلام، كما تتطرق للمعجزات التي نقلتها كتب السير. وإن كانت أغلب هذه القصص معروفة تاريخياً إلا أنها لا تخلو من زيادات لا يوجد لها سند في كتب التاريخ، بل تحمل هذه "الأشوار" أحياناً قصصاً خرافية لا يستوعبها العقل، كما أن إسقاطات الثقافة التقليدية تترك طابعاً واضحاً على هذه القصص يخل في الغالب بالمعنى الحقيقي للرواية الأصلية.


ورغم بعض المحاولات الخجولة من طرف الهيئات الثقافية المعنية لتطوير هذا الفن وإضافة لمسات تحديث له لاستقطاب الأجيال الشابة، من خلال إقامة مهرجانات وأمسيات بين الحين والآخر، ما يزال المديح النبوي في موريتانيا محتفظاً بذات النمط التقليدي الأصيل، كما أنه مازال مركزاً في فئة اجتماعية معينة امتهنته منذ القدم، ولم يشهد أي تطور يذكر إن أغفلنا محاولة إدخال آلات موسيقية حديثة عليه كالجيتار والبيانو، أو محاولة ابتداع قصائد ومواويل مبتكرة لم تلقى القبول لدى الجمهور.

13 يوليو، 2008

الشيخ.. والثور الأحمر






ظلت الدعايات الإعلانية الموجهة للمستهلكين عبر التلفزيونات تركز على تعداد خصائص المنتج ومقارنته بأمثاله في السوق من حيث عدة محاور ككفاءته وثمنه وحتى في بعض الأحيان شكله الخارجي الجذاب.

إلا انه لوحظ مؤخراً أن ما اصطلح على تسميته بمشروبات الطاقة – وهي معلبات ظهرت مؤخراً بشكل لافت – ابتدعت خطاً إشهارياً جديداً لا يقدم حقائق ومزايا تثبت القيمة الغذائية لهذه المشروبات بل يركز على تقديم هذه المشروبات المجهولة المحتوى والمكونات على أنها منتج سحري يعطي لشاربه قوة خارقة وطاقة زائدة توصله إلى حد الطيران كما في أحد الإعلانات.!!

وفي إعلان آخر يقدم مشروب الطاقة (..) على أنه مفيد للصحة ويمنح قوة غريبة تشعر متناوله بالسعادة الغامرة هذا بالإضافة إلى إيحاءات جنسية واضحة تظهر خلال الدعاية، التي يتحول في نهايتها شيخ مسن إلى شاب مفتول العضلات بمجرد فتحه للعلبة!!

وأياً تكن المآخذ على هذه الطريقة المبتذلة في ترويج منتجات لا تعدو كونها مرطبات غازية - في أحسن الأحوال – تبقى المسألة الأهم أننا لا نعرف بالتحديد ما هي المكونات التي تدخل في تركيب هذه المواد التي ليست بعصائر طبيعية منتجة من فواكه أو نباتات معروفة، وكل ما يكتب عليها عبارة عن اختصارات كيميائية ونسب معيارية لا يعرفها سوى الراسخون في علم الكيمياء العضوية.

وفي فتوى أخيرة أعلن الشيخ يوسف القرضاوي بأن وجود نسبة خمسة في الألف من الكحول الناتج عن التخمر الذاتي المكتشف في أحد أنواع هذه المشروبات المثيرة للجدل لا يؤثر شرعاً ولا عبرة بهذه النسبة في التحريم لأنها غير مسكرة. ومع ما أثارته هذه الفتوى من لغط كبير حول الموضوع وما كتب عنها في الكثير من الصحف والمنتديات لم يتطرق أي من هؤلاء الكتاب والمهتمين إلى البحث في إمكانية وجود مكونات أخرى مضرة بالصحة وركزت كل المقالات على موضوع ضيق يتمحور حول تأييد أو معارضة هذه الفتوى مع العلم أن المنتج الذي ثبت احتوائه على هذه النسبة من الكحول هو اسم تجاري واحد بين مئات المشروبات المماثلة التي غزت الأسواق.

فتوخى الحذر عزيزي القارئ مستقبلاً قبل أن تدفعك الرغبة الممزوجة بالفضول إلى شرب "الثور الأحمر" الذي قد يعطيك "جوانح" لتحلق عالياً لكنه لا يضمن لك الهبوط بسلام.

07 يوليو، 2008

مانديلا "الإرهابي"!



بينما أنا جالس أمام التلفزيون أمارس طقوس التعذيب المعتادة على الريموت كنترول المسكين، الذي "دوخته" من كثرة ما تنقل بين قنوات العالم بغثها وسمينها، والتي لا يجمع بينها سوى الفضاء. أدهشني خبر مر مروراً سريعاً أمام ناظري في شريط الأخبار – الذي لا ألقي له بالاً عادة – يقول الخبر : صادق الرئيس الأميركي جورج بوش على شطب اسم الرئيس الجنوب إفريقي الأسبق نيلسون مانديلا وزعيم حزب المؤتمر الإفريقي من لائحة ما يسمى بالإرهاب!!


نيلسون مانديلا - الزعيم الإفريقي الذي أصبح رمزاً للحرية ومقاومة الاضطهاد بعد أن عاش 27 عاماً في غياهب زنزانة فردية في سجون نظام الأبارتايد العنصري، لا لذنب اقترفه سوى مناهضته للتفرقة واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان - إرهابي؟؟


لم أصدق عيناي، وقرأت الخبر مرات ومرات، ولكنني أقنعت نفسي أخيراً بان في الأمر خلطاً ما، فربما يكون المسئول عن كتابة الشريط وضع الاسم سهواً، أو أصابه النعاس بعد أن أنهكه يوم طويل من متابعة أخبار العالم "المقرفة". انتظرت النشرة المفصلة لأسمع تفصيل الخبر الذي جاء على النحو التالي : الكونغرس الأمريكي أرسل مسودة قرار إلى البيت الأبيض لتوقيعها بالتزامن مع عيد الميلاد التسعين لمانديلا الحائز جائزة نوبل للسلام وبطل مكافحة الفصل العنصري والذي كان أول رئيس اسود لجنوب إفريقيا من 1994 إلى 1999. حينها تأكدت بالفعل أنني أعاني من اختلال لغوي خطير في تفسير الألقاب وتقدير معانيها، فربما أصبح لقب "إرهابي" يطلق من باب التفخيم وتقدير الشخصية التي توصف به، لأنه من غير المنطقي أن يكون مانديلا إرهابياً، ومن غير المنطقي أن تنتظر الدولة العظمى والقطب الأوحد في العالم أن يصل هذا "الإرهابي" لسن التسعين حتى تدرك أنها كانت مخطئة !


ولعل تزامن إعلان السلطات البريطانية قبل أيام عن إدراج الجناح المسلح لحزب الله في قائمة الإرهاب واستثناء الجناح السياسي للحزب من هذا الوصف، مع خبر مانديلا يعطي للمتتبع فكرة أوضح عن مدى ضبابية هذا الوصف الذي يفرق بين جناحين في حزب واحد !!


وليضعنا هذا الموضوع أمام إشكالية تعريف الإرهاب التي برزت بشكل لافت في فترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، حين أعلن بوش أن الحرب "المقدسة" على الإرهاب بدأت ولن تضع أوزارها إلا بعد أن يَطهَُرَ العالم من آخر "إرهابي" يهدد السلم والأمن الدولي ويمثل خطراً على مكتسبات العالم الجديد !


لكن مادام الإرهابي في نظر أميركا والغرب هو كل من يساند مناهضي العنصرية البغيضة ويحارب من أجل أن يعيش عيشاً كريماً كأي إنسان آخر، وعندما يوصف بالإرهابي كل من يتعاطف مع من يقاوم المحتل الغاشم لأرضه، فنحن جميعاً - وبكل إعتزاز -إرهابيون ونهدد السلم العالمي. وربما تكون أسماء البعض من المحظوظين منا، واردة في اللائحة "الشرفية" السوداء لدى السلطات الأمريكية.

30 يونيو، 2008

من الدمية ومن الأراجوز في القصر الرمادي؟




"أمهلوني شهرين أو ثلاثة وسأقوم بحل الحكومة بعد أن تعرض برنامجها أمام البرلمان.." هذه العبارة – التي تغني عن شرح حالة ساكن القصر الرمادي- تناقلتها وسائل الإعلام المحلية على لسان الرئيس الموريتاني ولد الشيخ عبد الله أثناء لقاءه بالجنرالين ولد الغزواني وولد عبد العزيز لاحتواء الأزمة الراهنة لحجب الثقة لأول مرة عن حكومة موريتانية.


منذ أن فاز في الانتخابات الرئاسية الماضية – وحتى إبان الحملة التي سبقتها – وصف ولد الشيخ عبد الله الرئيس الحالي لموريتانيا والذي ظهر فجأة على الساحة السياسية قبل سبعة أشهر فقط من الانتخابات بأنه مجرد واجهة مدنية للعسكر الحاكمين فعلياً، ورغم النفي المتواصل من طرف العسكر وحلفاء ولد الشيخ عبد الله لهذه الصفة عنه، لم يخالج الشك أي متتبع محايد للشأن السياسي المحلي بأن القادة الفعليين للبلاد هما الجنرالان الجدد.


ولعل القلاقل التي يشهدها حزب السلطة الوليد خير دليل على ذلك، والتي تجسدت في إعلان قيادات في الحزب من بينها أمينه العام وبعض النواب المنضوين فيه استقالات جماعية احتجاجاً – كما يزعمون – على الطريقة التي اعتمدها ولد الواقف رئيس الحزب في اختيار أعضاء حكومته الجديدة المكونة التي ضمت قوى سياسية مختلفة.


ورغم تأكيد المنسحبين على أن الدوافع التي من اجلها سيحجبون الثقة عن الحكومة هي بالأساس لكونها تضم رموزاً معروفة من نظام الرئيس المخلوع ولد الطائع، وأن رئيس الحكومة ولد الواقف لم يعطي الأغلبية نصيبها العادل من التعيينات، إلا أن أغلب الموريتانيين يدركون أن المحرك الفعلي لرحى هذه الأزمة هما رئيس أركان الجيش الجنرال ولد الغزواني ورئيس أركان القوات الخاصة الجنرال ولد عبد العزيز.


وأياً تكن نتيجة هذه المواجهة المفتعلة وغير متكافئة الأطراف، إلا أنها أزاحت الستار بالكامل عن من يحكم فعلياً في القصر الرمادي، وعرف الموريتانيون من الدُمية ومن الأراجوز.

23 يونيو، 2008

متى سنخرج من عنق الزجاجة؟




تشهد موريتانيا في الفترة الأخيرة تأزماً غير مسبوق بسبب الإضراب الذي بدأه أساتذة التعليم الثانوي منذ شهر تقريباً، والذي أدى اختيار منظميه لفترة الامتحانات لإثار مخاوف الطلبة وذويهم من أن يضيع عناء عام كامل من التحصيل والدراسة والسهر. عريضة المطالب المطروحة من طرف نقابة أساتذة التعليم الثانوي والتي تتركز على زيادة الأجور وتحسين أوضاعهم المادية قوبلت بالرفض من طرف وزيرة التعليم التي رأت في توقيت الإضراب نوعاً من لي الذراع، خاصة أن المفاوضات بين الطرفين كانت تسير بشكل ودي، بل إن بعض المطالب تم تنفيذها بالفعل حسبما تدعي الوزارة.


سبب البلوى


يتفق الجميع في موريتانيا من تربويين وأساتذة ومواطنين عاديين على أن سبب التدني الملاحظ في مستويات الخريجين والطلاب عائد للتخبط الكبير الذي عاشه النظام التربوي المعتمد في البلاد منذ استقلالها. فقد مر هذا النظام - الذي كان نسخة عن المناهج التعليمية الفرنسية إبان الاستعمار – بعدة تعديلات ارتجالية غير مبنية على أي أسس علمية منذ الاستقلال وحتى اليوم، ويعتبر التباين الثقافي بين إثنيات المجتمع الموريتاني السبب الرئيسي في فشل هذه التعديلات، مما جعل البلاد في فترة من الفترات "منفصمة الشخصية" تربوياً بسبب إصرار الزنوج على اللغة الفرنسية كلغة رئيسية للمناهج، واعتماد العرب للغة العربية لغة أم في التعليم. وكان التعديل الأخير في 1999 أقر بأن تكون اللغة الفرنسية لغة المناهج العلمية وحول العربية للغة ثانوية في التعليم، ولكن ما أفشل هذا التعديل هو أنه مستحيل التطبيق لأن غالبية الأساتذة والتربويين هم من خريجي "النظام الأعرج" السابق وبالتالي لا يجيدون سوى لغة واحدة.


سنة سوداء


الطلبة وخاصة الثانوية العامة (الباكلوريا) يعيشون حيرة ممزوجة بتخوف من أن تضيع سنتهم الدراسية هذا العام سدى، وبات الحديث في الصحف والمنتديات عن إمكانية أن تعلن الوزارة عن سنة بيضاء، وهو مصطلح فرنسي يطلق على العام الدراسي الذي ينتهي من غير امتحانات. مع أن تسميتها سنة سوداء أنسب. ومع أن الإضراب لا يزال مستمراً بنجاح - كما يقول منظموه – إلا أن الوزارة أكدت أكثر من مرة أنها ماضية في تنظيم امتحانات نهاية العام الدراسي في وقتها المقرر سلفاً، إلا أن المختصين يرون أن تنظيم الامتحانات في هذه الأجواء ضرب من المحال وخاصة الامتحانات الكبرى كالباكلوريا التي تتطلب تجنيد طاقات بشرية كبيرة من مراقبين ومصححين ولجان إشراف.


عنق الزجاجة


يمكن أن نصف الحالة الراهنة التي يمر بها التعليم في موريتانيا بشتى مراحله بأنها أشبه بعنق الزجاجة، فكل هذا التدني في المستويات يعتبر نتاج تراكم كثير من الأخطاء والقرارات "الحمقاء" التي من الصعب إصلاحها بين ليلة وضحاها، ولعل أبسط دليل على تردى مستويات الطلبة أن نسبة النجاح في الباكلوريا خلال الأعوام الأخيرة لم تتعدى العشرة بالمائة!!

12 يونيو، 2008

' البداع " النسخة الموريتانية عن ' شاعر المليون "




منذ أن انطلقت موجة برامج المسابقات الشعرية التلفزيونية المعتمدة على تصويت المشاهدين بالرسائل النصيةوهي تثير الكثير من الآراء المتناقضة بين مؤيد ومعارض، فالبعض يرى بأنها فكرة رائعة حرية بالتنويه والمساندة لأنها تهدف لإعادة الاعتبار للموروث الأدبي العربي الذي كاد يندثر أمام هجمة التغريب والعولمة الثقافية. ورأي مناقض له يرى فيها محاولة من أصحاب المحطات التلفزيونية لتحصيل أرباح مالية على حساب ثقافتنا الشعرية التي أوشكت على الإندثار، ولا يجدون فيها فرقاً عن برامج تلفزيون الواقع الشبابية التي تقدمها بعض المحطات التي هي عبارة عن نسخ مقلدة لبرامج مماثلة في أوروبا وأميركا..


من أهم هذه البرامج أمير الشعراء الذي لاقى قبولاً كبيراً ونسبة مشاهدة عالية في كل المنطقة العربية، واستمرت تصفيات المتسابقين وحلقات البرنامج لعدة أشهر أنفقت خلالها الجهة المنتجة ملايين الدولارات مابين ديكورات وحفلات مسرح وتذاكر سفر وإقامة للشعراء المشاركين الذين وصل عددهم في التصفيات المبدئية لمئات الشعراء. لكن هذه المصاريف الكبيرة لم تمنع المنتجين من تحصيل أرباح خيالية بفضل تصويت المشاهدين الجنوني الذي فاق التوقعات وعجزت شركات الإتصالات التي جندت له كافة طاقاتها عن إستيعابه. ذات الجهة المنتجة تقوم بإعداد برنامج شاعر المليون الذي يختص بالشعر النبطي وموجه بالأساس لشعراء الخليج العربي، وهو لايقل شأناً وكلفة إنتاجية عن أمير الشعراء، وقد أثار فوز شاعر قطري ببيرق شاعر المليون للمرة الثانية على التوالي لغطاً كبيراً وتخوفاً حول البرنامج ومستقبله، بعد أن دعت جهات سعودية لمقاطعته على إعتبار أن القائمين عليه متحيزون لطرف دون آخر.


هذه الأرباح التي جناها منتجو شاعر المليون وأمير الشعراء أسالت لعاب محطات تلفزيون أخرى لإستحداث برامج مماثلة فسمعنا عن شاعر العرب والديوان، بل رأينا عدة قنوات فضائية جديدة مخصصة للشعر فصيحه وشعبيه.

التلفزيون الموريتاني - وإن كان ركب الموجة متأخراً كعادته - أطلق برنامج (البداع) وهو مسابقة تلفزيونية للشعر المحلي باللهجة الحسانية المعروف بـ (لغنى)، أستبق المعدون للبرنامج حلقاته بحملة دعائية كبيرة إستمرت لعدة أيام وخصص جوائز مالية وعينية للفائزين. أولى حلقات (البداع) صدمت من كانوا يتوقعون رؤية برنامج مسابقات جيد الإعداد والتنفيذ تبعاً للهالة الإعلامية الكبيرة التي سبقته، فبغض النظر عن الهفوات الإخراجية الكبيرة التي أدت الى إنقطاع بث البرنامج عدة مرات خلال الحلقة، كان إختيار أعضاء لجنة التحكيم والنصوص الشعرية التي عرضها المتسابقون ينم عن عشوائية في الإعداد.


ومن أهم المآخذ التي سجلت على اللجنة إطراء أعضائها الغير مبرر لبعض الشعراء مما يؤثر سلباً على حيادها المطلوب، كما أن تعليقاتهم على النصوص المقدمة تراوح بين كيل كلمات المديح المبالغ فيها تارة، وتوجيه عبارات النقد التهكمية تارة أخرى. وقد تبين من خلال الحلقات القليلة التي عرضت حتى الأن من البرنامج أنه لايختلف عن ما سبقه من مسابقات شعرية أقرب للبرامج الإستعراضية منها للبرامج الثقافية، والهدف الأساس هو بحث شركات الإتصالات عن طريقة جديدة تكفل إجتذاب ماتبقى من أواقٍ في جيب المواطن المسكين، الذي يتصل عدة مرات - بدافع الحمية والتعصب أساساً - ليصوت لشاعره المفضل.

06 يونيو، 2008

سنتان معا .. وأنتم للثالثة

25 مايو، 2008

"مناصب" قومٍ عند قوم فوائد !!




لا يمكن تشبيه الحكومة الموريتانية الجديدة التي أعلن عن تشكيلها مؤخراً برئاسة ولد الواقف بأي نوع من الصيغ العادية التي عادة ما تصاغ على أساسها التشكيلات الحكومية في العالم. فلا هي حكومة أغلبية صرفة ولا حكومة ائتلاف برلماني يجمع بين قوى متوافقة في المصالح والرؤى والأهداف.


حكومة كوكتيل !!


هذه الحكومة (الكوكتيل) التقى فيها من الأضداد ما لم يلتقي في كتاب شهاب الدين الأبشيهي المستطرف في كل فن مستظرف، فعمادها الأساس البقية الباقية من رعيل الرئيس المخلوع ولد الطائع، مع وزراء من التيار الإسلامي الذي يَعتبر مناهضة التطبيع محور برنامجه السياسي الذي لا تنازل عنه..
وفي هذه الحكومة نرى الوزير فلان الذي ملأت شهرته الأفاق، وأحترف أكل المال العام منذ بروز أسنانه، وذاك الوزير المخضرم مهندس التطبيع والعلاقات الدبلوماسية – المغرضة - مع إسرائيل والذي اعتلى كل المناصب من أولها إلى آخرها قبل أن تصيبه لعنة غضب السلطان في آخر أيامه ويُقذف به إلى غياهب النسيان. والى جانبه وزير جديد ومعارض عتيد في أعتى حركات المعارضة وأقدمها والتي منذ استقلال البلاد تناهض كل ما يمت للسلطة بصلة خيره وشره.
والغريب حقاً في هذا (الكوكتيل ) الحكومي هو قبول حزب تواصل - المحسوب على تيار الإخوان المسلمين – الدخول في حكومة أشتهر أغلب أعضائها بمناهضة الإسلام السياسي والوقوف أمام مجرد الاعتراف بالحركة الإسلامية الموريتانية كقوة سياسية لها الحق في التنظيم والاصطفاف في حزب رسمي معترف به.
والأدهى من ذلك أن هذه الحكومة تناصر استمرار العلاقة مع إسرائيل إن لم تكن تعمل على تطويرها، مخالفة بذلك الرأي العام المحلي الذي يعتبر هذه العلاقة وصمة عار في جبين شعب ظل يفخر طيلة سنوات بكونه البلد الوحيد الذي يستخدم اغلب قيادات المقاومة الفلسطينية جوازات سفره.


تبرير ما لا مبرر له !


ومهما تعددت المبررات والدوافع التي ساقها قادة هذا التيار لتبرير خطوتهم – المثيرة للجدل – فإن مجرد الاشتراك مع حكومة من هذا النوع يعتبر مغامرة غير مأمونة العواقب، خاصة في هذه الظرفية التي تميزت بتعثر كبير لكل الخطط والتعهدات التي قطعها الرئيس (المؤتمن) على نفسه إبان الحملة الانتخابية الأخيرة والتي دفعت به إلى إقالة حليفه الأول وصاحب الفضل الكبير في توليه للمنصب الزين ولد زيدان.
ليس المستفيد الأول من هذه التعيينات الجديدة من فازوا بمناصب وزارية كما يبدو للوهلة الأولى، بل إن زعيم التيار المعارض احمد ولد داداه ومن بقي في عباءته من أحزاب أخرى كصالح ولد حننا وصار ابراهيما هم الرابح الأكبر من هذه الخطوة. بعد أن خلا لهم وجه الشارع المعارض منذ إنسحبت أحزاب التحالف والتواصل وإتحاد قوى التقدم من كفة معارضة النظام.


يذكر أن المعارضة الموريتانية عانت مؤخراً من الانقسامات التي كادت تعصف بها ككتلة برلمانية متحالفة، وهو ما أدى مثلاً إلى تحول الإئتلاف بين الحزب الإسلامي وحزب التكتل في بعض المناطق إلى صراع وحرب مفتوحة. ويعتبر المحللون السياسيون أن الإخفاق المحتوم للحكومة الجديدة - التي لا يربط أطرافها أي فكر مشترك ولا تسعى إلى هدف موحد – سيكون القفزة النوعية التي طالما انتظرتها المعارضة لتثبت أنها الخيار الأمثل رغم أنها أيضاً بدورها لا تمتلك برنامجاً واضح المعالم لانتشال البلاد مما هي فيه.

08 مايو، 2008

رحل علي بابا .. ولكن!!


كان أغلب الموريتانيين يدرك في قرارة نفسه أن الحكومة التكنوقراطية التي تشكلت بناءعلى تحالفات الانتخابات الرئاسية الأخيرة والتي ترأسها الزين ولد زيدان لن تدوم طويلاً.

فلا الطريقة العشوائية - المبنية على المصالح المتبادلة بدل الكفاءة - التي اختير على أساسها أغلب أعضائها في ظرف وجيز تمنحها فرص النجاح من جهة، ومن جهة أخرى لم تعطي اللوبيات المساندة للرئيس ولد الشيخ عبد الله - والمكونة من بارونات النظام السابق - لولد زيدان الفرصة لإثبات قدرات حكومته. ومن الغريب أن هذه الحكومة المستقيلة علناً والمقالة فعلاً، لا تجد بعد عام كامل من العمل ما تفخر بإنجازه أمام المواطن المسكين الذي شهد خلال فترتها من المصاعب الاقتصادية والقلاقل الأمنية ما لم تره عيناه طيلة النصف قرن الذي هو عمر موريتانيا منذ وجودها على خارطة العالم ككيان مستقل.


حكومة النحس


حكومة الزين ولد زيدان لازمها ( النحس) منذ أن تولت تسيير الأمور, فمنذ بداية عملها واجهت مشكلة المخدرات وعصابات التهريب الدولية التي اتخذت من شمال البلاد نقطة ارتكاز ومعبراً لتوزيع السم الأبيض إلى أوروبا وشمال أفريقيا. ثم توالت عليها سلسة انهيارات شركات القطاع العام بدءاً من الخطوط الجوية الموريتانية (التي كان يرأسها رئيس الوزراء الجديد)، ومشاكل العجز في الميزانية العامة وما ترتب عليها من نقص في الخدمات الأساسية المقدمة للمواطن مثل الماء والكهرباء. ولتعلن هذه الحكومة مؤخراً عن خطر المجاعة الذي يتهدد البلاد. باسطة يد الاستجداء والعطف للدول والمنظمات المانحة عربياً ودولياً.

يضاف إلى ذلك الفشل الأمني الذريع الذي واكب حملتها الأخيرة لمطاردة المسئولين عن الأحداث التي شهدتها البلاد مؤخراً، والتي تحولت فيها قوى الأمن بسبب تخبطها وعدم كفاءة أفرادها إلى مصدر تهديد فعلي لحياة المواطنين بدل أن تكون مسئولة عن توفير الحماية لهم.

والغريب أنه برغم كل هذه الأمور مافتئت حكومة ولد زيدان تصر على أن الأحوال الاقتصادية في البلاد مبشرة وأن التضخم تحت السيطرة ومعدلات النمو في ارتفاع، والأمن مستتب!، والأمر لا يعدو كونه حملة مغرضة تشنها قوى المعارضة من أجل مآربها الخاصة.


ذهب علي بابا ولكن!!


رئيس الحكومة الجديدة يحي ولد أحمد الواقف خبير إحصاء وأستاذ جامعي سابق، ويعتبر أبرز رجال الحكم الجديد، أشتهر في عهد الرئيس السابق ولد الطائع بسمعته الإدارية السيئة لكل المؤسسات الحكومية التي كان مسئولاً عن إدارتها، والتي من بينها الخطوط الجوية الموريتانية التي أفلست مؤخراً، وكانت فضيحة الحجاج الشهيرة قبل عامين السبب في إقالته عن إدارتها. سطع نجمه بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة، من خلال توليه منصب الوزير الأمين العام لرئاسة الجمهورية، وتشكيله لحزب (عادل) المثير للجدل، والذي يتكون أساساً من بقايا الحزب الجمهوري الحاكم سابقاً. ولم يستغرب المراقبون للشأن المحلي تسميته رئيساً للوزراء، ولن يستغربوا قطعاً حين تشمل أسماء الوزراء الجدد بعضاً من ثلة ولد الطائع المعروفة. .قال أحدهم معلقاً على الموضوع، أن علي بابا رحل، لكن رفاقه الأربعين سيخرجون من المغارة

02 مايو، 2008

وطنٌ اسمه.. الجزيرة






سنوات ست أو تزيد أمضاهن مصور الجزيرة سامي الحاج قيد أصفاده بلا تهمة في معتقل غوانتنامو الأميركي، المكان الأكثر ظلماً وهتكاً لحقوق الإنسان في تاريخ البشرية.
وبرغم ظلام زنزانته الحالك، ورطوبتها المنتنة كان السجين 345 على يقين أن هناك من يعملون في الخارج بتؤدة من أجل حريته، لم يساوره الشك للحظة أنه خلف الأسلاك الشائكة المكهربة - التي تحيط بالجزيرة الكاريبية التي أصبحت أشهر سجن في العصر الحديث - هناك من لن يتخلى عنه، هناك من حمل قضيته لكل أصقاع الدنيا حتى غدا المصور الشاب المغمور الذي أختطف من جبال باكستان - وكان يمكن أن يعتقل أو حتى يقتل دون أن يعلم به أحد- رمزاً عالمياً لحرية التعبير وللصمود على المبادئ في وجه قساوة السجان ووسائل قمعه الرهيبة التي يحاول بها طمس الحقيقة.


سنوات ست لم تفتر فيهن عزيمة الجزيرة ولم تهن وتيرة جهودها من أجل إطلاع العالم على محنة مصورها الأسير لدى من وجدوا في كونه مسلماً أسمر البشرة وفوق ذلك مصوراً للقناة الوحيدة التي حاولت أن تكون ناقلاً للحقيقة في زمن التعتيم، ما يكفي من الذرائع لوصمه بالإرهابي الخطير. رغم كل التهديدات والضغوط لم تتخلى الجزيرة عن سامي، ورغم الترهيب والترغيب الذي مارسه سجانوه المحترفون لم يتخلى سامي عن الجزيرة. حتى ولو كان الثمن حريته - وهو الرجل الهزيل الضعيف البنية الذي قطعت صلته بالدنيا في زنزانة أشبه بعلبة السردين الباردة، وكبر أبنه الوحيد ولم تره عيناه - رغم كل هذا رفض سامي الحاج أن يطلق سراحه مقابل أن يكون عيناً للأميركيين تنقل ما يجري داخل الجزيرة..


وفي حين استقبل اغلب من كان أفرج عنهم من غوانتنامو بالسجن والتنكيل وانتقلوا من قيد أميركي الصنع إلى قيد جديد في بلدانهم التي تراهم مجرمين حتى يثبت العكس، استقبلت الجزيرة سامي الحاج استقبال الإبطال المظفرين، وخصصت له من الزخم الإعلامي والتغطية الإخبارية ما لم يخصص حتى لنيلسون مانديلا حين أفرج عنه نظام الفصل العنصري بعد ربع قرن من السجن. وفي حين تتبرأ بعض الدول العربية من أبنائها المعتقلين ظلماً خوفاً من أن يصفها بوش بدعم الإرهاب ومساندة القاعدة. كانت صورة سامي الأسير لا تفارق شاشة الجزيرة.


سامي الحاج في أول كلمات تنبس بها شفتاه بعد رؤيته لنور الحرية، لم يتحدث عن أصناف التنكيل والعذاب التي عاشها لسنين، ولا عن سنين شبابه التي ضاعت، ولم يذكر اشتياقه المؤكد لرؤية فلذة كبده الذي كبر بعيداً عنه وحرم من مجرد سماع صوته، بل قال أن فرحته لن تكتمل حتى يطلق رفقائه الذين خلفهم ورائه في ذلك المكان البغيض، والذين وصف الحالة النفسية التي وصلوا إليها وصفاً تقشعر له الأبدان.


أولئك المعتقلون الذين تركوا لمصيرهم البائس وفقدوا عقولهم لمجرد أن أوطانهم لم تكن كما كانت الجزيرة لسامي وطناً، فالوطن الذي يقتّل أطفاله وتجوّع نسائه ويبقي ساكتاً لا حراك فيه، بل ويتبرأ من أبنائه خوفاً من غضب أميركا ولكي لا يوضع في لائحتها السوداء ليس بوطن.

27 أبريل، 2008

الفرح الموشح بالسواد !!؟


اتفقت أغلب الشعوب في العصر الحديث على نمط واحد من المراسيم - إن صح التعبير- التي تميز ليلة الزفاف، من قبيل ثوب العروس الأبيض ذو الذيل الطويل الذي تتباهي به طيلة عمرها حتى إن الفتيات صرن تتفنن في تطريز هذه الفساتين وتصميمها تصاميم غريبة وملفتة للانتباه حتى تبقى خالدة في الذاكرة مع مرور الزمن. وأعتمد اللون الأبيض في أغلب أنحاء الدنيا كلون للفرح والسرور، حتى باقات الورود يجب أن تتكون من زهور الياسمين البيضاء


تختلف الأعراس في العالم أجمع باختلاف العادات والتقاليد والموروث الاجتماعي، ويطبع هذه الطقوس - التي تتوارثها الأجيال – طابع الغرابة مما يجعلها أحياناً أشبه بالأسطورة والخيال في بعض الثقافات الإفريقية والآسيوية مثلاً

..
في موريتانيا تختلف ليلة الزواج الأولى اختلافا جذريا عن ما يحدث في باقي البلدان الأخرى، فرغم كون العرس هو يوم فرح تقرع فيه الطبول، وتنصب الخيام البيضاء المزركشة، وتعلو فيه الزغاريد، ويستبدل الناس ثيابهم بأخرى جديدة لحضور اليوم السعيد. إلا أن ذلك لم يمنع من الاحتفاظ بعادة فريدة ورثها الموريتانيون منذ القدم عن أسلافهم ولم تفلح كل موجات التحضر والتمازج الثقافي مع الشعوب الأخرى في محوها أو التأثير عليها، ومن أغرب هذه التقاليد ارتباط اللون الأسود بهذه المناسبة السعيدة كارتداء العروس لثوب اسود، وتخضيب يديها وأرجلها بحناء شديدة السواد، كما يضع العريس شالاً أسود على رقبته طيلة أيام العرس – التي تمتد أحياناً لأسبوع كامل - ولا تزف العروس لعريسها إلا ليلة ظلماء حالكة السواد!!

اختيار الموريتانية للثوب الأسود في الواقع لا يخرج عن سياق الاستخدام المألوف للسواد، لكونه تعبير عن الأسف والحزن فالفتاة تغادر منزل ذويها الذي تربت فيه وترعرعت بين جدرانه إلى بيت آخر وعالم جديد مختلف. من هذه التقاليد الموريتانية الغريبة بقاء العروس في بيت خاص لا تخرج منه طيلة يوم العرس، ولا يدخل عليها سوي قلة من أقاربها أو صديقاتها المقربات، وتغطي وجهها بحيث لا يرى طيلة أسبوع كامل، وتبقى (الزفة الموريتانية) أغرب ما في ليلة العرس، حيث تتمنع العروس وتبكي حين يأتي العريس لأخذها إلى (المرّوَح) وهو ما يعرف في بعض المناطق العربية بالكوشة، وعادة تتطور الأمور إلى نقاشات حادة ومناوشات بالأيدي والعصي بين أصدقاء العريس ورفيقات العروس، كما تخطط رفيقات العروس أحياناً لعملية لإخفائها فيما يعرف محلياً بـ (الترّواَغ). مما يستوجب من العريس ورفاقه توخي الحذر وانتداب أحدهم كمراقب دائم في بيت أهلها يحرس كل حركاتهن

.
ولا تنتهي هذه التقاليد الموريتانية المميزة - التي قد يرى فيها البعض غرابة – بانتهاء أيام العرس بل تمتد لبقية العمر، فالعريس مثلاً لا يحق له بأي حال من الأحوال أن يجلس مع حماه في ذات المكان، ويجب عليه أيضاً أن يتحاشى قدر الإمكان مقابلته حتى في الطريق أو الأماكن العامة. كما أن العروس عندما تذهب إلى بيت زوجها لا تشرب أو تأكل أمام أمه أو أبيه، وتسمى هذا الحياء المبالغ فيه شيئاً ما بـ (السّحوَة).
مع كل هذه المظاهر التي تغرق في السواد إلا أن مظاهر الفرح والابتهاج تبقى حاضرة بقوة على ملامح الوجوه وفي الأهازيج الجميلة التي يتغنى بها المطربون.
أليس من حقنا هنا أن نتساءل لماذا اللون الأسود هو لون الحداد؟ ولماذا لا ننظر إليه كبقية الألوان؟ يقول المؤرخون ان هذه الطقوس هي عادة متوارثة عن الأندلسيين،


يقول الشاعر: صدقتم فالبيَاضُ لِبَاسُ حزنٍ ** ولاَ حزنٌ أشدُ منَ المشيبِ !

13 أبريل، 2008

بين مطرقة "الإرهاب" وسندان المجاعة




بات سماع أصوات تبادل إطلاق النار نهاراً وفي ساعات الليل المتأخرة، والوقوف لحواجز التفتيش في الشوارع أمراً معتاداً في نواكشوط، التي لم تكن أبداً تتباهى بجمال شوارعها أو مبانيها، بل إن ميزتها الوحيدة هي الأمان. لكن منذ أن اتهمت ما سمي بـ "خلايا سلفية" بالوقوف وراء عملية اغتيال المواطنين الفرنسيين وبحادثة إطلاق النار على السفارة الإسرائيلية وألقي القبض على بعض المتورطين فعلاً في العملية، منذ ذلك اليوم تأكد الجميع أن الخلايا النائمة بدأت تستيقظ، وأن الأمان صار هو الآخر مهدداً.



الغريب في حالة موريتانيا أن فقدان الأمن الذي يشعر به المواطنون هو بسبب قوات الأمن والشرطة نفسها!، فبعد أن كانت مسئولة عن حفظ سلامة المواطنين وحمايتهم أصبحت عاجزة حتى عن السيطرة على متهم خطير مكبل بالقيود داخل المحكمة، وتقتل الأبرياء أثناء المطاردات نهاراً لمجرد الاشتباه، وبدلاً من أن يلاحق المسئولون عن هذا التخبط ، يكرم القادة ويمنحون أعلى الرتب.

وأبانت الأحداث الأخيرة أن السلطات الأمنية عاجزة فعلاً عن تحمل مسئولياتها.وبعد أن كان الهم الأكبر الذي يسيطر على بال المواطن الموريتاني المسكين هو البحث عن قوته اليومي في ظل ارتفاع الأسعار الرهيب الذي شمل كل السلع، أضيف لهمومه همٌ آخر هو الخوف من هذه الفوضى العارمة التي باتت تهدد كيان الدولة في الصميم.أغلب المراقبين السياسيين المحليين عجزوا عن تفسير منطقي لما يجري، فكيف يفر متهم مطلوب دولياً ومقيد اليدين من بين حراسه في أثناء محاكمته أمام القاضي، وكيف لكتيبة مدرعة مكونة من مختلف أذرع القوات المسلحة أن تُهزم أمام شخصين أو ثلاثة ظلت تحاصرهم ليوم وليلة، وكيف يقتل طالب بريء اشتباهاً وهو لا يحمل من السلاح سوى قلم حبر !؟.

أسئلة كثيرة لا أعتقد أن الإجابة عليها هي في ترقية قائد الأمن إلى رتبة جنرال لأول مرة في تاريخ البلاد.هذه لم تعد نواكشوط ، إنها اليوم خليط من مخيم نهر البارد أيام الاشتباكات وغزة المحاصرة من كل الجهات، فلا الإجراءات المشددة التي اتخذتها قوات الأمن لحفظ النظام والقبض على المجرمين الفارين أعطت للمواطن إحساس الطمأنينة، ولا برنامج المساعدات الإستعجالية -الذي خصصت له حملة (تهويل) إعلامية - أوقف مد المجاعة المحدق بالسكان.

03 أبريل، 2008

أنشودة (أنا العبد) لمشاري العفاسي

الى من يدعي الفهم

الصحافي: ينقل معاناة الناس.. ولا أحد يدري بمعاناته




وُصِفت قديماً بـ (صاحبة الجلالة) لدورها المحوري في نقل صورة الحياة اليومية وإيصال هموم الناس العاديين إلى مسامع ذوي الشأن، وقالوا إنها (السلطة الرابعة) التي تقوِم أداء باقي السلطات الأخرى، ألا أن أنسب الأوصاف لواقع حال الصحافة اليوم في قطر هو (مهنة المتاعب).
قد يقول القارئ أن هذا الوصف يمكن أن يطلق على الصحافة في بلدان أخرى تكبل العاملين في مجال نقل واقع الحياة بالكثير من القيود، وهو مالا نجده هنا، إلا أن متاعب الصحفي لا تقتصر على الحد من حرية التعبير، بل إن مستواه المادي ودرجة التعامل معه قد يكونان عائقاً لا يقل أثراً عن العقبات الأخرى.
عندما يتحول الحلم إلى كابوس

حصل الصحفي هشام على عقد للعمل في إحدى المؤسسات الصحفية في قطر عن طريق زميله الذي يعمل في الدوحة، وبسبب أن العمل في منطقة الخليج يرتبط في ذهنه لاشعورياً بالأجر المرتفع والظروف الاقتصادية الجيدة، لم يتوانى هشام - الشاب الصحفي الذي طحنته قسوة المعيشة، وأجل الراتب الهزيل كل مشاريعه المستقبلية من زواج وإنجاب أطفال إلى أجل غير محدد- أو يتردد للحظة في قبول هذا العرض (الحلم).
يقول هشام :"كتبت استقالتي من العمل فوراً - مع أنني كنت أعمل محرراً في إحدى أكبر الصحف في مصر بل في الوطن العربي- وحزمت حقائبي ثم حجزت مكاناً في أول رحلة متوجهة إلى الدوحة"، ويضيف هشام :"عندما بدأت في العمل في قطر كان كل شيء مختلفاً تماماً عن ما عهدته في بلدي، صحيح أن هامش الحرية هنا أكثر والمحظورات أقل، إلا أنك ستقابل الكثير من العقبات الجديدة، أولها أني ذهلت عندما وجدت أن الراتب الذي فرحت به كثيراً والذي يساوي أربع أضعاف ما أتقاضاه في بلدي لا يُمَكِنني من إيجار غرفة مفروشة في الدوحة، إضافة لتأمين مصاريف تنقلاتي الكثيرة بحكم كوني صحفياً أركض وراء الخبر، ناهيك عن التفكير في ادخار جزء منه للمستقبل". ويواصل هشام حديثه عن العقبات التي تواجه الصحفي في قطر بالقول:" الصحفي الناجح هو من يملك أكبر قدر ممكن من العلاقات مع مصادر الخبر، وهو ما يشبه المستحيل هنا، لأن المسئولين وأصحاب القرار يحجمون بشكل غريب عن التعاطي بسلاسة مع الصحفي، وينظرون إليه غالباً على أنه فضولي يسأل عن ما لا يعنيه، وبالتالي يقتصرون أحاديثهم وتصريحاتهم على أقل قدر ممكن وفي مناسبات محددة". ويقول هشام أن أكثر المواقف التي تحرجه هي حين يكون مطالباً من رئيس التحرير بإعداد مقابلة أو تحقيق عن إحدى المؤسسات، ويضيف هشام :"حين أتصل بأحد المسئولين يرد علي بلباقة :أتصل فيني بعدين!!".


رواتب الصحفيين... من عالي سما لأسفل أرض!!؟

ما قاله هشام عن ظروفه المادية قد ينطبق على بعض العاملين في مجال الصحف المحلية والذين تقل رواتب بعض من التقينا بهم عن ثلاثة آلاف ريال، إلا أن الغريب أن إحدى المؤسسات الإعلامية الكبرى العاملة في قطر تقدم للصحفي الذي ما يزال تحت التجربة راتباً لا يقل عن 10800 ريال، ليرتفع حتى يصل إلى عشرات الآلاف من الريالات بمجرد توظيفه رسمياً إضافة إلى السكن وتأمين صحي شامل لهم ولأفراد أسرهم. هذا التباين الكبير يقول مراد (محرر في صحيفة قطرية محلية) أنه يسبب نوعاً من الإحساس بالغبن والدونية ويؤثر سلباً على إنتاجية الصحفي، ويضيف مراد:" من غير المنطقي أن ترى زميلك الذي يقوم بذات العمل وربما أقل يتقاضى ضعف ما تحصل عليه مرات عديدة، في حين أنكما تعملان في نفس المدينة"، ويقترح مراد أن تكون هناك مراعاة لظروف المعيشة والتضخم المتزايد الذي رفع أسعار كل شيء، ويضيف مراد:" إن الصعوبات المادية والتفكير في توفير الإيجار وثمن السيارة ودفع أقساط الأثاث إلى آخر مشاكل الحياة اليومية تؤثر على نوعية عمله الصحفي وتجعل ذهنه مشتتاً"، ويسرد مراد حالات معينة لبعض زملائه الذين يعملون في أعمال إضافية لا تمت بصلة للصحافة، يقول مراد:" أعرف زميلاً يعمل كسائق يقوم صباحاً بتوصيل أبناء جيرانه مقابل أجر شهري قد يعينه في ظروف الحياة الصعبة!، كما أنني أنا مثلاً متزوج ولدي ثلاث أولاد لكنني لا أستطيع أن أجلبهم من بلدي لأن ظروفي المادية لا تمكنني من ذلك".
ويرى مراد أن من المضحك المبكي أن يكون الصحفي الذي يفترض به أن يكون ناقلاً لمشاكل الآخرين وهمومهم يعاني في بعض الأحيان من مشاكل أكبر ومن ظروف مادية أقسى حتى من أولئك الذين يلجأون له لإيصال مشاكلهم للمسئولين.


متعاونون.. يعملون بالقطعة

بعض المؤسسات الصحفية تفضل الاعتماد على عدد من المتعاونين الذين يعملون بمكافآت بسيطة ولا يستطيعون تقديم طرح صحفي حقيقي لظروف الوقت وقيود الجهات التي يعملون بها، فمنهم من يعمل في مجالات بعيدة كل البعد عن الصحافة، كما أن اعتماد نظام القطعة وتقييم العمل المقدم سواءً كان تحقيقاً أو تغطية صحفية بحجمه وعدد كلماته بدلاً من قيمته الحقيقية أثر كثيراً على نوعية ومهنية ما تنشره الصحافة.
يقول أحد هؤلاء المتعاونين مع الصحف :"أن القلة الناجحة من المتعاونين لم تقدم لهم المؤسسات الصحفية ما يغريهم بالتفرغ لها وترك وظائفهم الأصلية وليس لديهم الاستعداد للتفرغ للعمل الصحفي والمخاطرة بمستقبلهم المعيشي. أما المتفرغون للعمل الصحفي فليسوا أفضل حالاً من زملائهم المتعاونين".


الصحافي .. مهنة غير مرغوبة
ما زالت أغلب المؤسسات الصحفية غير قادرة على استقطاب الكفاءات الشابة وتدريبها لتقديم عمل صحفي مميز لقلة الحوافز الممنوحة، كما أن انعدام المكافآت التشجيعية وندرة البرامج التدريبية التطويرية للعاملين في الصحافة المحلية والتي ترفع من مستوى تأهيلهم بالإضافة إلى معاناتهم المستديمة في الشعور بغياب الأمان الوظيفي كلها تجعل من أداءهم روتينياً ويفتقر إلى الإبداع، ومن البديهي صعوبة إبداع العنصر البشري وهو يعاني من الخوف وغياب التقدير. يقول أحد الصحفيين الذين عملوا لسنوات في الصحافة القطرية:"لقد خسرت المؤسسات الصحفية المحلية في السنوات السابقة عدداً من الأسماء الفاعلة في المشهد الصحفي للأسباب السابقة وتوارى صحفيون كثر عن المشهد الصحفي واختاروا العمل في جهات حكومية، كما أن الخريجين الجدد يفضلون العمل في المؤسسات الخاصة، وأماكن أخرى أقل بكثير من قدراتهم ولكنها تحقق لهم في فترات قصيرة ما لم تستطع المؤسسات الصحفية تحقيقه في سنوات طويلة وما زالت الشكوى قائمة والمشكلة أن هناك اتهامات لهذه المؤسسات بعدم إفساح المجال للشباب القطري للعمل فيها". إن الموارد البشرية الصحفية اليوم بحاجة إلى الالتفات أكثر من أي وقت مضى ولن تستطيع الصحافة تقديم عمل حقيقي يشبع نهم القارئ ويرضي طموح المجتمع ما لم تبادر إلى تبني سياسات جادة في الاهتمام بكادرها البشرية.

نقلاً عن صحيفة العرب القطرية

الحرب الصليبية الجديدة..على القمصان


تثير قمصان الأندية الأوربية الشهيرة الكثير من اللغط في الصحف والمنتديات الشبابية بعد ملاحظة تعمد هذه الأندية وضع الصلبان بشكل واضح عليها.


وقد أتخذت بعض البلدان الإسلامية كالسعودية والجزائر مثلاً إجراءات لوقف إستيراد هذه القمصان التي يقبل عليها الشباب كثيراً، خصوصاً مع إنتشار ظاهرة تشجيع الفرق الأوربية بدرجة تزيد أحياناً على الفرق المحلية. وقد بادر نادي برشلونة الإسباني إلى إعادة النظر في المسألة، وطلب بعض المسئولين في النادي بأن يقام بتعديل شعار الفريق الذي يحمل الصليب على القمصان والفانلات والقبعات التي تصدر للأسواق الإسلامية، وواجه هذا الإقتراح معارضة شرسة من بعض الإداريين وقالوا أن فيه تنازلاً عن ثوابت الفريق الكاتلوني. إلا أن الإيرادات المالية الكبيرة التي يحققها الفريق من بيع هذه المنتجات في الأسواق العربية والإسلامية قد تكون عاملاً مساعداً للجانب المطالب بتعديل الشعار.


وفي الجزائر طلب بعض أئمة المساجد في مدينة عنابة من الشباب عدم الدخول الى المسجد وهم يلبسون قمصان فريق أرسنال التي تحمل دعاية لخمور، كما أن مشجعي فريق بيشكتاش التركي أبدو استيائهم من لاعبي فريق الإنترميلان عندما لبسوا فانيلات تحمل صليباً أحمر كبير خلال لقاء الفريقين في كأس رابطة الأبطال الأوربية. وقد قال أحد الإداريين في الفريق الإيطالي بكل وقاحة أن المبارة هي بين قوة الخير الممثلة بفريقه (حامي الصليب) وقوى الشر (عانياً الفريق التركي). ولايقتصر هذا التصرف على الأندية الرياضية فحسب بل يشمل الكثير من الماركات التجارية الأخرى كماركات السيارات والمشروبات الغازية والمواد الغذائية والعطور، ولا يعتبر إصرار هذه الشركات على وضع الصلبان بشكل لافت على منتجاتها تعصباً دينياً أو تطرفاً من وجهة نظر الغرب (المتحضر) والعلماني، في حين أن وضع عائشة الفتاة المسلمة الصغيرة للحجاب على شعرها وهي ذاهبة إلى مدرستها تصرف إستفزازي مثير يهدد سلامة النظام العام ويعتبر تعدياً على حرية الأخرين

01 أبريل، 2008

إضحكوا على خيبتكم


استغربت من الاتصالات والرسائل القصيرة التي انهالت على هاتفي على غير العادة في هذا الوقت من اليوم، والأغرب أنها كانت تحمل محتوى واحداً " القذافي يتكلم على التلفزيون....لا يفوتك!!".عندما اعتلى العقيد القذافي منصة الحديث في قمة دمشق أتجه الجميع إلى شاشات التلفزيون مشدوهين تحدوهم الرغبة الممزوجة بالفضول لما ستصل إليه (شطحات الزعيم ) الجديدة.وبغض النظر عن ما احتوته الكلمة المرتجلة التي قالها القذافي من وجهات نظر تخص قائلها بالأساس ومدى توافقها أو اختلافها مع وجهة نظر هذا وذاك إلا أنها في بعض جوانبها لامست الجرح وخاصة حين تطرق لموضوع فلسطينيي الخط الأخضر أو الأراضي المحتلة في 1948، وكيف أنه قال إننا كنا نكذب على العالم بقولنا أن إسرائيل دولة محتلة ومغتصبة وهانحن اليوم نطالب بحدود الـ 1967 وكأن ما قبل هذا التاريخ لم يكن أرضاً عربية. وأننا بهذا التنازل اليومي عن (الثوابت) سيأتي يوم ونطالب فيه بالعودة إلى حدود 2008


ولم ينسى القذافي أن يذكر بمشروع (إسراطين) الذي قال أنه الحل الأمثل لمشكلة الشرق الأوسط التي يجب أن تكون دولة واحدة تجمع بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، ومع محاولته تسهيل الأمور وتقزيم العقبات التي تمنع من مجرد التفكير العقلاني في اقتراحه، لم يخفي القادة العرب الحاضرون ابتساماتهم التي وصلت لحد الضحكات ، وظلت الكاميرا تتنقل بين صورة هذا الرئيس وهذا الأمير ناقلة تعابير وقسمات

وجوههم. حتى القذافي نفسه كان يبتسم بين الحين والأخر ناقلاً للمتلقي من المواطنين العرب المساكين شعوراً يقول :اضحكوا على خيبتكم


قال أحد الذين كانوا في جواري أثناء حديث القذافي إن هذه القمة يمكن أن نطلق عليها (قمة القذافي)، ولعل الإرتياح الذى بدى على الرئيس السوري بشار الأسد من كلام القذافي وشكره له على صراحته، يؤكد فعلاً أنها قمة (الضحك على الخيبة اللي أحنا فيها).

31 مارس، 2008

موريتانيا ... حلم

كلمة القذافي أمام قمة دمشق

25 مارس، 2008

أصفـــاد وقوافــي





ارتبط السجن على مر العصور بالظلمة والقهر وأنواع الكبت وتتردد على جدرانه أصداء أصوات السياط وهي تلسع أجساد الواهنين القابعين في دهاليز العفن السفلي, ذلك الأتون الملتهب الذي يحاول الجلادون من خلاله وأد نور التحرر وإسكات صرخة عناد الظلم والجور. لكن ظلمة هذا المعتقل كانت دوماً تتمخض عن شعاع قدرة الإنسان في تحدي المحن وتجاوز الشدائد.
والتاريخ البشري حافل بتجارب وقصص هؤلاء الأبرياء الذين وقعوا ضحية الحيف والظلم وذاقوا ويلات التنكيل على جرم لم يقترفوه , لكنهم تحملوا أوزار هذا السجن وسمت أرواحهم النبيلة فوق أنات أجسادهم المعذبة . وأمثلة التاريخ كثيرة يضيق المقام عن حصرها , وتاريخنا العربي منذ القدم حافل بأمثال هؤلاء ولعل أول ما يستحضره الكثيرون رائية أبي فراس الحمداني – فارس السيف والفلم - التي مطلعها
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر**أما للهوى نهي عليك ولا أمر ؟
وفي تاريخنا المعاصر كانت الفظاعة والتنكيل من القسوة بحيث أن الكلمات لتنوء بوصف مايحدث في ظلمات هذه السجون وهو مايفسر كثرة الوسائل التي يحاول السجين الأديب أن يعبر بها حيث ظهرت إضافة إلى الشعر الرواية واليوميات والسير الذاتية والخواطر والدراسات الاجتماعية...
وهنا في موريتانيا – ربما من باب إثبات أنها لا تقل عروبة عن أشقائها !! – ومنذ الستينات شهدت البلاد أنواعاً من القمع والاعتقال أمتد على طول الفترات والأنظمة المتلاحقة وهو ما ولد مايمكن أن نطلق عليه عصر ازدهار أدب السجون , وبما أن البلاد تميزت بالشعر فقد طغى على غيره من الأنتاجات الأدبية الأخرى.
وظهرت روائع شعرية ماتزال خالدة إلى اليوم ويمكن أن نسميها بمعلقات المعتقل , ففي السبعينات والثمانينات برزت قصائد أحمد ولد عبد القادر ومحمدن ولد الشدو و الخليل النحوي وفاضل أمين هذا الأخير الذي كان يعرف بأبي القاسم الموريتاني والذي توفي شاباً بعد مالقيه من تنكيل وتعذيب , وهذه أبيات من قصيدة يصف فيها اعتقاله :
اسمع أخي سأقص عما قد جرى***طرق اللصوص بيوتنا قب الكرى
كان المؤذن بأخي يدعو الورى***الله اكبر....فالصــــــــباح قد أسفرا
جاؤوا كعاصفة الجراد من المدى*** تجتاح في الظلمات نبتاً أخضرا
حتى يقول :
سيقول لي الجلاد انك مجرم***ويذيع في كل المـــخافر محـــــضرا
وسيشرب العملاء نخب شهادتي***في قصــرهم وكأنهم ملكوا البرى
لكنني أدري بأن قضيتي***ستظل للأجـــيال درباً نــــــــــــــــــــيرا
أنا مااردت سوى الحياة عزيزة***أنا ماوردت سوى العقيدة مصدرا
أنا هكذا فهل الحياة جريمة ؟***أم أن حب الأرض أصبح مــــــنكرا
أنا ياأخي سأظل مثلك صامداً***أنا لن الين لمن طغــــــــــى وتكبرا
إن يقهروا جسدي فأن أرادتي***أقوى من الليل المـــــخيم في الثرى
ولقد نشر احد المحامين الأمريكيين منذ أيام كتاباً يحتوي على انتاجات شعرية للمعتقلين في ذلك المكان البغيض , ومن بينها قصائد لمصور الجزيرة الزميل سامي الحاج أرسلها في رسالة لأبنه .
لقد أستطاع هؤلاء أن يحولوا السجن باتونه وأصفاده من مقبرة لجثث الأحياء إلى مكان يتوقف فيه الزمن ويحيلون الزنزانة المقيتة الى واحة للتخيل ومراجعة الذات واستشراف المستقبل وكأنك لابد من أن تمر بالظلام لكي ترى النور بشكله الحقيقي

24 مارس، 2008

سيدة القصر


بدأت مؤخراً تبرز المكانة الهامة التي صارت تتمتع بها مع مرور السنين قرينة أي زعيم في العالم فبعد أن كانت تبقى بعيدة عن الأضواء ومجهولة لغالبية شعبها أصبحت الآن محط الأنظار وقبلة اهتمام المجتمع. وبدأ دور السيدة الأولى ذا طابع اجتماعي بالأساس , إضافة إلى ظهورها البروتوكولي مع الرئيس في الحفلات الرسمية والمناسبات العامة وزياراته الخارجية. وتختلف السيدات الأول باختلاف شخصياتهن وحضورهن ويذكر التاريخ المعاصر بعض منهن مثل سيدة الأرجنتين ايفا بيرون وجاكلين كندي وغيرهن.فهل نحن أمام عودة شجرة الدر التي تتدخل في كل شاردة وواردة من أمور الحكم ؟

لقد أثير مؤخرا جدل كبير في نواكشوط بعد القضية التي رفعتها زوجة الرئيس الموريتاني السيدة : ختو بنت البخاري ضد إحدى الصحف المحلية متهمة طاقمها التحريري بالتطاول عليها ونشر أنباء كاذبة عنها. وكانت جريدة البديل الثالث قد نشرت في احد أعدادها أن السيدة الموريتانية الأولى تتدخل في شئون الحكم والتعيينات السامية لمسئولي الدولة . وبغض النظر عن مصداقية هذا الخبر من عدمها فأن السيدة ختو بنت البخاري برزت مؤخراً بشكل لافت على غير عادة مثيلاتها من زوجات الرؤساء الموريتانيين السابقين حيث أقامت مؤسسة خيرية متعددة الأهداف تحمل أسمها وكان حضورها واضحاً في الكثير من المناسبات الرسمية منذ انتخاب زوجها رئيساً للبلاد قبل أربعة أشهر. وقد استنكرت الأوساط الصحفية المحلية هذا التصرف من( سيدة القصر) واعتبرته نوعاً من أنواع تقييد حرية الـــرأي حيث ان الرد على الموضوع في الصحف كان أمراً كافياً لتفنيده , وهو ما جرت عليه العادة في مثل هذه الحالات. لكن محامي السيدة ختو بنت البخاري أصر على أن موكلته ترى أن المحكمة وحدها هي من سترد لها اعتبارها وتوقف هذا النوع من التطاول على الآخرين – حسب وصفه – ولم يصدر بعد حكم من القضاء في هذه الحادثة الأولى من نوعها في موريتانيا.

نحن أمام عصر سيدة القصر في ظل مانراه اليوم من دور محوري لبعض قرينات الرؤساء كاد يعرقل انتخاب الرئيس نفسه كما فعل حجاب خير النساء غول في تركيا, وهاهي هيلاري كلينتون في الولايات المتحدة تتقدم منافسيها لتعود الى البيت الأبيض ولكن هذه المرة كرئيسة للبلاد مع ماسيطرحه فوزها من حيرة للصحفيين في اللقب الذي سيطلق على بيل كلينتون زوجها !!

ليلة مطلع الفجر


قد أثارت الفتوى التي أصدرها المفكر السوداني حسن الترابي مؤخراً حول ليلة القدر الكثير من الجدل والضجة , فبرغم كونه أعتاد منذ مدة على إصدار مثل هذه الفتاوى ( المثيرة ) ـ من قبيل فتواه بجواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة وشرعية زواج المسلمة من الكتابي , بل وحتى إنكاره لوجود عذاب القبر ـ خرج علينا بفتوى جديدة ينكر فيها على المسلمين ممارستهم وأفكارهم عن ليلة القدر ويقول : ( إن المسلمين يتوهمون ويعيشون في الأحلام وينتظرون ليلة القدر لتأتي لهم بالنعم) ويفسر الآية : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر) بأن هذه الليلة أنما هي مناسبة تشبه العيد أو مثلها مثل غزوة بدر. يحق للبعض منا أن يقول أن للترابي كما لغيره الحق في أن يجتهد ..
لم تختص امتنا الإسلامية بشعيرة الصيام دون غيرها من الأمم. فهو شعيرة ومنسك عرفته مختلف الشرائع والأديان منذ القدم . فعندما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجد اليهود يصومون في ذكرى نجاة موسى عليه السلام من فرعون, كذلك كان للنصارى صيامهم الذي ربطوه بحادثة الصلب. وفي السنة الثانية بعد الهجرة شرع الله لهذه الأمة فريضة صيام الشهر التاسع من العام الهجري أي شهر رمضان, لكن السؤال الباحث عن الحكمة من اختيار رمضان بهذه المنزلة عن غيره من الشهور؟ يبقى مطروحاً. أن القرآن الكريم لايترك الإجابة عن السؤال الباحث عن حكمة هذا التوقيت للاجتهاد والاستنتاج فآياته تحدثت عن لحظة الميلاد للأمة الإسلامية الخاتمة , ولقد كانت بداية هذه اللحظة هي نزول الروح الأمين على الصادق الأمين بأولى آيات القرآن الكريم , لحظة مطلع الفجر في ليلة من ليالي الوتر في العشر الأواخر من شهر رمضان في غار حراء. ومنذ تلك الليلة ظل المسلمون يتحرون تلك اللحظة من كل عام, وكيف لا يتحرون ليلة تعدل عمل ألف شهر وتزيد ؟ ولعل الحكمة من إخفاء وقتها واضحة جلية فلو عرفت بالتحديد لأنصرف المسلمون عن العبادة في غيرها من ليالي هذا الشهر الفضيل ولعطلت شعائر الله فيما سواها. ولكن الناس ظلت تتحرى علاماتها التي وردت في الأثر كونها ليلة مضيئة كثيرة النجوم وأن الكلاب لاتنبح فيها وتظهر الشمس صبيحتها مشرقة منذ ساعات الصباح الأولى إلى آخر التوصيفات التي اشتهرت بين الناس ولا نعلم مدى صدق مرجعيتها في الشرع. ومع انتشار رقعة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها أمتزج تخليد هذه الليلة المباركة بعادات وطقوس كل مجموعة مما يصل أحياناً الى الخروج عن هدى الإسلام المعتدل. لكن السؤال هو هل يحق لأي كان أن يشكك في ثوابت الأمة ؟ وأن يؤول الآيات القرآنية الجلية التي وردت في فضل هذه الليلة التي هي خير من ألف شهر؟ أم أن أفول نجم السياسي حسن الترابي أستاذ الفلسفة وخريج السربون يشفع له في استصدار مثل هذه الفتاوى الشرعية الغريبة بين الحين والآخر. لقد منّ الله، سبحانه وتعالى، على هذه الأمة عندما تعهد "بحفظ" هذا "الينبوع" وصيانته عن الخلط والتحريف والتبديل حيث قال : (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ). لكن "إقامة" هذا الدين.. وتجديد دنيانا بفكره المتجدد هي "الأمانة" التي حملناها نحن عندما سعدنا بنعمة التدين بهذا الدين.. فطوبى للسالكين سبل التجديد والإحياء للعمران الإسلامي.. الساعين إلى أداء "الأمانات" في مختلف ميادين العمران.. أولئك الذين يجعلون من صيام رمضان الاحتفال اللائق بإحياء ذكرى لحظة الميلاد العظيم لأمة محمد، عليه الصلاة والسلام

05 مارس، 2008

هل تنشر الجزيرة الرسوم الدانمركية ؟؟!




الرأي والرأي الأخر، شعارٌ جميل ارتبط في أذهان الكثير من المشاهدين بقناة الجزيرة التي جعلت منه "لازمة" لها – مع أن أغلبنا سئم من كثرة ما سمع ورأى من الشعارات الخاوية هنا وهناك – إلا أن القناة الرائدة ظلت تراعي في كل ما تقدمه على شاشتها وخصوصاً في البرامج الحوارية أن لا تغفل الرأي الأخر مهما كان مخالفاً ومتطرفاً في بعض الأحايين.وغدا برنامج الاتجاه المعاكس - الذي يعده ويقدمه الإعلامي فيصل القاسم منذ بداية بث القناة – أحد أهم البرامج الحوارية التي تعرض وجهتي نظر متناقضتين في آن واحد، ومع مسيرة البرنامج طيلة هذه السنوات والتي شهدت الكثير من الانتقاد والإشادة، إلا أن حلقة الاتجاه المعاكس الأخيرة التي استضاف فيها القاسم وفاء سلطان وطلعت رميح حادت بالكامل عن نهج الحوار العقلاني الهادف، الذي لا يمس المعتقدات والثوابت الدينية وغاصت بها ثنائية عبارات الضيفة المتطاولة وقلة خبرة الضيف في الرد إلى مدارك التطاول على الدين الإسلامي والرسول الكريم والقرآن.وما يؤخذ على القاسم هنا ليس استضافته لهذه النوعية من المحاورين، بل الأهم من ذلك دوره في إدارة الحوار، حيث شاهدنا كيف أن خبرته في اختيار العبارات والأسئلة خانته عندما وصف التظاهر والاحتجاج على الرسوم الدنمركية المسيئة للرسول بأنه تباكي على الماضي !!فهل تسمح الحرية الإعلامية وإبراز الرأي والرأي الأخر لنا بأن نفتح الباب على مصراعيه غير مبالين بما قد يتفوه به هذا الضيف أو ذاك؟ أم أن الإعداد الجيد للبرامج التي تبث مباشرة يسترعي من القائمين على الشأن في القناة دراسة الخلفيات والمنطلقات التي يرتكز عليها كل متكلم قبل أن نفتح له "الفضاء" ليقول ما يريد؟في القمة العربية التي استضافتها بيروت قبل سنوات عجز الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عن المشاركة فيها بسبب الحصار المفروض عليه، وأقترح البعض أن يتم إشراكه بواسطة دائرة تلفزيونية مباشرة من مقره في رام الله، إلا أن التخوف من أن تستخدم إسرائيل هذه الفرصة لتقطع الحوار وتبث رسالة من شارون للقادة العرب بدلاً من خطاب عرفات حال دون تطبيق الفكرة. نورد هذا المثال لأن ما قالته وفاء سلطان في البرنامج يفوق بكثير ما كان يمكن أن يقوله شارون بكل تأكيد آنذاك، ومع هذا تركتها الجزيرة تتحدث.وأخشى ما أخشاه أن يظهر لنا أحد "المتحررين" الإعلاميين هذه الأيام ليطالب الجزيرة من مبدأ شعار الرأي والرأي الأخر بنشر الرسوم المسيئة على شاشتها.

24 فبراير، 2008

حرية التعبير من أجل حرية التعبير


منذ بداية التغيير الديمقراطي الذي عاشته موريتانيا ، والبلاد تعرف تحولاً كبيراً من الكبت المغلف بغطاء ديمقراطي كاذب استمر طيلة فترة ولد الطايع، إلى حرية لا محدودة تقترب في بعض الأحيان من الانفلات. ما جعل الرئيس ولد الشيخ عبد الله في مقابلة تلفزيونية أخيرة معه يمتعض مما وصلت إليه الصحف المستقلة من استغلال لهذه الفسحة جعلها تتعدى حتى على خصوصياته الشخصية. وإن كان في ذات الوقت لم يشر إلى نيته في تقليص هذه الحرية.
ومن بين الإجراءات التي واكبت المسلسل الانتخابي الطويل - والتي شملت الاعتراف بالكثير من الأحزاب والتنظيمات السياسية التي كانت محظورة- أعطيت مساحة كبيرة من الحرية للمؤسسات الإعلامية الرسمية والمستقلة إلى درجة أدهشت كل المراقبين..
على سبيل المثال أفسحت الإذاعة الموريتانية المجال لمبادرة مستقلة تحت مسمى مبادرة المواطنة من اجل التغيير، لإعداد وتقديم برنامج إذاعي مباشر يتحدث عن القضايا المحلية التي كانت تعتبر "تابوهات" محرمة فيما مضى، ويترك للمتدخلين كامل الحرية في إبداء أرائهم عبر الأثير.
وقد لاقى البرنامج المعروف بـ "إذاعة المواطَنة" إقبالاً كبيراً من الشارع الموريتاني خاصة في فترة الانتخابات السابقة حيث طرحت خلاله مواضيع أقل ما يقال عنها أنها "ثورية"، وهو ما دعا البعض إلى انتقاد السلطات الرسمية على هذه الحرية اللا محدودة متعللين بمقولة"أن الحرية الكاملة هي فوضى كاملة". ولم يتوقف البرنامج بعد نهاية هذه الانتخابات كما كان متوقعاً، بل واصل طرحه لمواضيع الفساد والظواهر الاجتماعية، وإن كان الإقبال عليه من طرف المستمعين قد انخفض عن ما كان عليه، وهو ما يرجعه المهتمون بالشأن السياسي المحلي إلى إدراك المواطن البسيط أن البرنامج ليس إلا متنفساً يسمح لك بالصراخ حتى تفرغ ما بداخلك من هموم، لكنه لا يغير شيئاً على أرض الواقع. ولعل القانون الجديد الذي صادق عليه البرلمان الموريتاني قبل ايام والقاضي بإمكانية تأسيس محطات تلفزيونية وإذاعية خاصة يسير في ذات النهج.
إستراتيجية حرية التعبير من اجل حرية التعبير التي انتهجتها بلداننا العربية لامتصاص موجة التحرر الإعلامي والسموات المفتوحة والتي بدأت نهاية القرن الماضي، مازالت مستمرة بخبث، ولعل الوثيقة الأخيرة لتقييد حرية البث الفضائي والتي وافق عليها وزراء الإعلام العرب هي بداية لإستراتيجية جديدة أكثر خبثاً .

02 فبراير، 2008

الأطراف تتحرك قبل المركز أحياناً



بعد التنكيل والحصار والتجويع الذي فرضه الإسرائيليون على غزة الصامدة مؤخراً ، شهد الشارع الموريتاني غلياناً غير مسبوق عم جميع فئات المجتمع ، وطالبت جميع القوى السياسية والأحزاب الحكومة الموريتانية بقطع علاقاتها اللامبررة مع إسرائيل.ولعل تصريح رئيس البرلمان الموريتاني مسعود ولد بلخير مؤخراً الذي وصف فيه العلاقات مع إسرائيل بأنها مشينة وغير مفهومة ويجب وضع حد لها سابقة من نوعه كونه أول تصريح بهذه اللهجة يصدر من مسئول موريتاني بهذا المستوى، وظنه المراقبون بداية للإعلان عن نهاية هذه الوصمة التي وضعها نظام ولد الطائع السابق على جبين هذه البلاد المعروفة بوقوفها الدائم مع القضية الفلسطينية.ولكن الرد الحكومي لم يتعدى تصريحاً مقتضباً أصدرته وزارة الخارجية للتنديد بالأحداث المؤلمة في قطاع غزة ، داعية إلى حل سريع للمسألة!! وكأن الكيان الإسرائيلي "الوديع" سينصاع لهذا البيان "الخجول". ويأتي هذا التصرف من الحكومة الموريتانية ليثبت مرة أخرى أنها بعيدة عن تقدير مدى الاحتقان الذي وصل إليه الموقف الشعبي من هذه العلاقة .وجاءت الرسالة التي كان يتخوف منها الجميع وهي الهجوم على مقر السفارة والذي وإن أدى إلى سقوط عدد من الجرحى في ملهى ليلي مجاور ولم يصب أياً من طاقمها ، إلا انه إنذار أخير لسلطات نواكشوط التي كانت ترجح كفة المصالح الاقتصادية مع الغرب على الرأي العام المحلي.وأفادت مؤسسة "انتل سنتر" الامريكية، التي تهتم بمراقبة النشاطات الارهابية في إطار تفسيرها للحدث، ان المسؤول الثاني في تنظيم القاعدة ايمن الظواهري دعا قبل سنة الموريتانيين الى مهاجمة السفارة الاسرائيلية في نواكشوط. وقال بن فينزكي، رئيس المؤسسة التي تتخذ في الكسندريا في ولاية فيرجينيا قرب واشنطن مقرا لها "هذا يندرج في اطار نهج القاعدة التي تشير الى اهدافها المفضلة في رسائل علنية قبل سنة او اكثر من وقوع الهجمات". وأشار إلى أن هذه الدعوة اتت ضمن شريط فيديو بثه موقع السحاب الذي يبث اشرطة القاعدة في 13 فبراير 2007. وتضمنت فقرة من الشريط الذي ترجم الى الانكليزية ووفرته "انتل سنتر", دعوة الى طرد السفارة الاسرائيلية من موريتانيا."موريتانيا دولة طرف، ولا أعتقد أن لعنة الجغرافيا ستترك لها أن تؤثر في المركز مهما كانت جسامة الأحداث التي تعرفها" هذا ماقاله المفكر و"المؤرخ" السياسي محمد حسنين هيكل العام الماضي على قناة الجزيرة أثناء رده على سؤال حول مدى التأثير الذي يمكن أن يحدثه التحول الديمقراطي اللافت الذي عرفته البلاد.فهل تفند ثورة الشارع الموريتاني على الأحداث الأخيرة في غزة ومطالبة الفاعلين السياسيين من مختلف الاتجاهات الفكرية للحكومة باتخاذ موقف شجاع بإنزال العلم الإسرائيلي من سماء نواكشوط ماقاله السيد هيكل؟ أم أن مقولة أحد المفكرين الجزائريين إبان ثورة الاستقلال التي تنبأ فيها بأن شمس العرب ستشرق من مغربها في طريقها للتحقق؟

30 يناير، 2008

اسمعني رنة جوالك.. اقول لك من أنت



كنا ننصت بخشوع لخطبة امام الجامع وهو يتحدث عن فضل الذكر والدعاء. واذ بهاتف جاري في الصف يرن مقاطعاً الأمام ويقول : ' اللي بتقصر تنورة بتلحقها عيون الشباب ...'ولعل هدوء المكان وسكينته جعلت الصوت واضحاً مما حول أنظار المصلين الى مصدر الصوت , ومن شدة ارتباك الشاب صاحب الموبايل لم يعرف في أي جيوب بنطاله وضع هذا ( اللعين) وأخذ يفتش يمنة ويسرة والأغنية متواصلة '...تنورتها شبر ونص..'.
ياله من موقف محرج ومزعج الى أبعد الحدود , ولاشك أن ذلك الفتى تمنى في تلك اللحظة لو أن الأرض أنشقت وأبتلعته من شدة الخجل.عندنا في موريتانيا مثل شعبي قديم يقول ما معناه : قل لي من رفيقك أقول لك من أنت, ونحن اليوم نستطيع تحوير هذه المقولة لتكون : أسمعني رنة موبايلك أقول لك من أنت..! فرنات الهواتف المحمولة مع أختلافها وتباينها من آيات قرآنية وأدعية الى أغاني وأصوات غريبة أصبحت بالفعل تعبر عن الخلفية الفكرية لصاحبها وميوله الشخصية بل وحتى أمراضه النفسية. فان كانت رنة جوال الرجل الذي يجلس بجانبك في الباص هادئة ورزينة فستعرف مبدئياً أنه رجل هاديء ومسئول , وان كانت دعاءاً مثلاً فمن المحتمل أن يكون ملتزماً دينياً, اما ان كانت من نوع رنة صاحبنا السابق فلا تعليق.
وهناك من الشباب من يختارون لهواتفهم رنات غريبة ومتطرفة كنباح الكلاب أو نهيق الحمير – أكرمكم الله – ولعل أغلبنا سمع عن رنة الضفدع المجنون التي كانت صيحة في عالم الرنات خلال الفترة الماضية , وجنى الشاب الأنجليزي الذي ابتدعها أموالاً طائلة من وراء انتشارها العالمي ولعله لم يكن يقدر أن هناك من بين البشر من هو أكثر جنوناً من ضفدعه!!في دراسة اقتصادية حديثة توقع الخبراء ان يبلغ عدد المشتركين في خدمة الجوال بنهاية العام الحالي 3.6مليار شخص أي مايعادل نصف سكان المعمورة , ولكم أن تتخيلوا – ان استطعتم – حجم العوائد والأرباح التي ستجنيها شركات الأتصالات من وراء هذا الأنتشار. ومع أننا نتفق جميعاً على مدى أهمية الهواتف النقالة ودورها في تسهيل التواصل الا أن لها سلبياتها التي لايمكن اغفالها ايضاً. ونحن في الوطن العربي – كالعادة – نأخذ دوماً قشور الثمرة ونرمي اللب للأخرين. فالبنظر الى العروض التي تعلن عنها شركات الأتصالات في منطقتنا بين الفترة والأخرى نجدها تتركز على تجميل الأغاني والرنات والكليبات الجديدة , بينما في الدول الغربية تلعب هذه الشركات دوراً ايجابياً في دعم عجلة النمو الأقتصادي من حيث تسهيلها مثلاً للمعاملات البنكية ونشر اعلانات الوظائف وأخبار البورصات..الخ
خلال الأشهر الماضية أجتمع في مكة المكرمة المجلس الأعلى للأفتاء التابع لمنظمة المؤتمر الأسلامي لا ليجد حلاً لموضوع أختلاف الدول الأسلامية في تحديد الهلال – حيث أحيينا مثلاً عيد الأضحى الفائت في أربعة أيام مختلفة!!- بل ليتدارس مسألة : هل يجوز أستخدام الآيات القرآنية كرنات للهواتف. وبعد نقاش مستفيض أستمر لأيام لم يتفق علماؤنا على تحريم أو أباحة المسألة..
أصلحنا الله .. وهدانا .. قولوا آمين

19 يناير، 2008

3rbizi!!!!


ظاهرة الخلط بين بين الكلمات العربية والعبارات الأنجليزية أصبحت أمراً مألوفاً في السنوات الأخيرة بين أوساط الشباب ، حتى انها باتت تمثل تهديداً ثقافياً وحضارياً داهماً للثقافة العربية ومع أن البعض يراها ظاهرة هامشية طارئة لن تنال من قوة اللغة العربية ، معلالاً بأن الخلط بين العربية وكلمات أنجليزية لتنشأ عنه مصطلحات هجينة لايعدو كونه أخذاً لقشور الحضارة الغربية من ناحية ، وربط اللغة العربية بالعجز عن مواكبة العصر من ناحية أخرى.
لكن الأنتشار الكبير لهذه العبارات والجمل يدفع للتساؤل عن كيف نحمي لغتنا العربية من هذه الظاهرة؟ وعلى عاتق من تقع مسؤلية ذلك ؟ وهل العربية حقاً لغة كفيلة بالحفاظ على ذاتها ؟
العربيزية .. هل هي بداية نهاية لغتنا العربية
"أنا رايح الماركت عشان أشوف الغروب ونرتب الكانبيج "، ان لم تكن ملماً بالعربيزية فستجد صعوبة في فهم العبارة السابقة التي تعني :" أنا ذاهب الى السوق للقاء رفاقي للتحضير للرحلة"!!
العربيزي مصطلح يجمع بين كلمتي عربي وأنجليزي وهو جمع بين اللغتين في سياق لايرقى الى أستخدام ظاهرة أزدواجية اللغة ، ففي الغالب لايكون المتكلمون بهذه " اللغة" متمكنين لا من العربية ولا من الأنكليزية.
الأمر في البداية كان كتعبير عن مستوى معين من الثقافة والتحضر وأقتصر على فئة محددة من الشباب المتأثر بالغرب.
وهناك من يراها ظاهرة جيدة وتعبيراً عن الرقي والتحضر خاصة أن الكل يتحدثون بهذه العبارات " المودرن" ، الا أن أستخدام هذا المزج يكثر في الحوارات التي تشتمل عبارات صعبة أو محرمة في الثقافة العربية مثل المواضيع المتعلقة بالجنس.
يقول الأستاذ عبدالله محمد وهو مدرس لغة عربية أن انتشار هذه العبارات الهجينة له أثر كبير وخطير على مستوى الطالب في اللغتين العربية والأنجليزية ، فلا هو يتكلم العربية بنطق سليم ولا يعرف من الأنجليزية الا كلمات مشوهة لاتعبر في الغالب عن معناها الصحيح.
ويذكر الأستاذ عبدالله حادثة صادفته اثناء أحد الأمتحانات في مادة التعبير حين كتب تلميذ عبارة " ستايل" في أحدى الجمل ، وعندما أستفسره عن معناها وهل هي كلمة عربية أجاب التلميذ بكل ثقة طبعاً هي كلمة عربية وأنا أسمعها كل يوم في التلفزيون!!
دور الأعلام
لاشك أن انتشار الفضائيات كان له دور كبير في نشر ظاهرة العربيزي وذلك بسبب التهاون –المقصود ربما- في اللغة المستخدمة في هذه المحطات سواءاً على مستوى المادة أو على مستوى تمكن المذيعين من العبارات اللغوية.
أن السبب الأكبر في أنتشار هذه الظاهرة هو التلفزيون وبرامجه الهابطة التي نشرت هذه العبارات التي لاهي عربية ولاهي من أي لغة أخرى ، كما أن البرامج التلفزيونية أصبحت تتنافس في التسميات "العربيزية" مثل برنامج فلانة شو وبرنامج ترتاتا وسكوب... الى أخر التسميات الغريبة.
كما أن أخر صيحات المحطات الفضائية هي العربيزية المكتوبة !! ، وانتقال الظاهرة من المنطوق الى المكتوب حيث توجد قنوات فضائية مخصصة للرسائل النصية والأهداءات التي تكتب فيها الكلمات العربية بأحرف أنكليزية ، وهو مانلاحظه أيضاً في الرسائل النصية التي ترسل في الهواتف المحمولة .
يقول راجي وهو مسير لأحد مقاهي الأنترنت في أن التراسل الألكتروني بالعربيزية المكتوبة صار أمراً مألوفاً ، بل ان الشباب يتفنون في تطويره حيث أنه أصبح يعتمد على الخلط بين الحروف والأرقام وذلك للرمز للأحرف العربية التي لم يجدوا لها مرادفات في الأحرف اللاتينية مثل الحاء الذي صار رقم 7، والعين التي يرمز لها الرقم 3...الخ
وبينما أنا أتحدث مع صاحب المقهى اذ جاءنا طفل صغير لايتعدى عمره الـ 10 سنوات وخاطبه قائلاً:"عملت ديتلكت وفرمت البي سي بس الفايلات ماظهرت !! ".
الدور الرسمي
أستطاعت اليابان وألمانيا وفرنسا الحفاظ على اللغة الأصلية في وجه المد الأنجليزي وكان هذا اثباتاً على أن اللغة مهما كانت لاتقف عائقاً في وجه التقدم والتحضر.
بل ان البرلمان الفرنسي اصدر سلسلة من القرارات على مدى العقود الماضية بضرورة أحترام الفرنسية ، وقبل أيام أصدر الرئيس ساركوزي قراراً بأغلاق قناة فرنسا24 التي تنطق بالأنجليزية قائلاً أنه لايقبل ان تستمر القناة في البث ونشر اللغة الأنجليزية وهي ممولة بفرض ضرائب على المواطنين الفرنسيين.
وفي الوقت ذاته يذكر خبراء من الأمم المتحدة أن 234 لغة أصلية معاصرة أختفت كلياً في القرن الماضي، محذرين من أن 90% من اللغات واللهجات المحلية في العالم سوف تختفي في القرن الواحد والعشرين.
معاهد تدريس عربيزية !!
ومع التنامي المخيف لهذه اللغة الهجينة في شتى مناحي الحياة يخشى المهتمون بأن المستقبل سيشهد – اذا ما أستمر الحال كما هو الأن- تطوراً كبيراً يهدد اللغة العربية خاصة بعد أن تكبر أجيال تجهل التعامل مع لغتها الأم.
ومن غير المستبعد أن تطالعنا أعلانات توظيف تشترط في المتقدمين اجادة اللغة العربيزية كتابة وقراءة.!!واستحداث معاهد تدرس العربيزية للمهتمين بتطوير مستوياتهم الوظيفية..

05 يناير، 2008

هل نجحنا في سنة أولى حرية؟






عندما سَلمَ رئيس المجلس العسكري السابق علي ولد محمد فال مقاليد السلطة للرئيس المنتخب ولد الشيخ عبد الله, كان كل الموريتانيين يشعرون بنوع من الأمل الممزوج بالكثير من التفاؤل. الأمل , لأن الحلم بالتحول الديمقراطي المنشود تحقق – وان كانت شابته بعض الشوائب- والعقيد وفى بوعده وتنحى عن كرسي السلطة ليتركه لشيخ سبعيني منتخب لايحمل له أي موريتاني غلاً او ضغينة. والتفاؤل , لأن الكل كان يقول أن سبب المآسي والظروف الصعبة التي عاشتها البلاد كان خنق الحريات واضطهاد قوى المجتمع..


من هنا بدأنا عام 2007 , لكن القادم كان مختلفاً عن التوقعات. فبمجرد تسلم حكومة ولد زيدان لمهامها بدأت المشاكل تتهاطل عليها من كل صوب , فظهرت عصابات التهريب الدولية ومدى نشاطها المخيف في أنحاء البلاد , وأعلن افلاس شركة النقل الجوي الوحيدة , وتردت الأحوال المعيشية للسكان وزادت نار الأسعار لهيباً. وأصر مسئولوا الدولة على أن الوضع بخير كمن يريد تفنيد الواقع أو اخفاء الشمس بغربال الى أن ثارت ثائرة الجياع , وعلى غير المتوقع من داخل البلاد حيث الأقاليم المنسية التي كانت تعتبر بعيدة عن الأحداث . وجاء رد السلطات قوياً ودموياً ليسقط أول متظاهر موريتاني بنيران حماة الديمقراطية ..! اصدر البرلمان في العام الماضي قانوناً يجرم الرق ويردع فاعليه. وان كان هذا القانون قد سبق بقوانين مماثلة في الأعوام الماضية الأ أنه نال رضى وأجماع الفاعلين السياسيين والحقوقيين, وهو ماحدث كذلك في قضية المبعدين الموريتانيين الزنوج اللاجئين في البلدان المجاورة . الذين تقررت عودتهم الى مواطنهم قريباً , هذه العودة التي وان كانت تحل مشكلة الابعاد الا انها تفتح الباب على الكثير من المشاكل الأخرى لعل أبسطها ماسيفتح من دعاوى وملفات ظلت مغلقة لـ 19 عاماً.
كما شهد العام الماضي تربع موريتانيا على قمة الدول العربية من حيث الحرية الصحفية وحرية الأعلام , هذا الأعلام الذي وان كان حراً من ناحية القوانين الا انه ظل مقيداً بقلة الأمكانيات المادية وأنخفاض الدعم من طرف الدولة . وهو ماجعل موريتانيا تدخل العام الجديد بدون صدور أي صحف بعد أن أعلنت عن أضراب مفتوح عن الصدور لمدة غير محددة بسبب المشاكل التمويلية . لكن نهاية العام كانت تشبه الى حد كبير نهايات الأفلام التشويقية , وحملت معها مالم يكن يتوقعه أكثر المتشائمين – وهم كثر في موريتانيا- فبمقتل أربعة سياح فرنسيين في (ألاك) , والهجوم على حامية ( الغلاوية) الذي أسفر عن مصرع ثلاثة جنود واعلان القاعدة عن مسئوليتها عن الحادث. دخلت البلاد في تحدي جديد مع تهديد الأرهاب الذي صار حقيقة ماثلة كانت أولى نتائجها الاعلان عن الغاء سباق رالي دكار الذي يعتبر العمود الفقري للموسم السياحي الموريتاني لما يدره من ملايين الدولارات.
بعد كل عام دراسي تظهر نتائج العمل السنوي لتحدد من تخطى بنجاح ومن تردى برسوب, ويمكن أن نقول أن نتيجة الحكومة الموريتانية هي نجاح محدود على المستويين السياسي والحقوقي , واخفاق اقتصادي واجتماعي وأمني بأمتياز
.

29 ديسمبر، 2007

هل بدات موريتانيا دخول النفق ؟



بعد الاعلان يوم أمس عن الهجوم على ثكنة عسكرية موريتانية شمال البلاد ومقتل ثلاثة من عناصرها بدأت المخاوف التي كان الموريتانييون يحاولون اخفائها عن انفسهم تظهر بارزة للعيان.فمنذ يومين اغتيل اربع فرنسيين وجرح الخامس في مدينة الاك القريبة من نواكشوط العاصمةوحاول الاعلام الرسمي في بداية الامر أن يظهر الجريمة على انها عملية سطو لاغير, الا أن ظهور حقائق جديدة عن العملية أبان أن الأمر أكثر من عملية سطو بكثير.المتهمون الذين القي القبض أولاً على أحدهم في نفس اليوم كانوا قد أعتلقوا وصدرت بحقهم أحكام مع وقف التنفيذ في اطار ماعرف بملف السلفية الجهادية, ولعل حادثة الثكنة التي وقعت اليوم بالقرب من الحدود الجزائرية تعطي اشارات جلية على مدى التعاون الذي يمكن ان يكون حاصلاً بين تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الأسلامي واذرعه المحتملة في موريتانيا. وهذا ماستبديه بشكل اكبر الأيام القادمة ونتائج التحقيقات التي ستجريها النيابة مع منفذي العملية الذين القت السلطات السنغالية القبض على أخرهم في مدينة حدودية .لعل أكثر مايخيف المتتبعين وذوي الأختصاص في متابعة تطور التنظيمات "الأرهابية " أنهذه العمليات تاتي بعد سنة ونصف من عملية ثكنة لمغيطي الذي خلف ثلاثة عشر قتيلاً بين الجنود الموريتانيين بالأضافة الى الثلاثة الذين قتلوا اليوم . ولعل الدلالة الرمزية التي يظهر من خلالها مدى ضعف وعجز الجيش الموريتاني في التصدي لهجمات عناصر الجماعة السلفية هي مايقلق القوى الغربية التي قد تخشى من أن ترى القاعدة في الأراضي الموريتانية (المستباحة) تربة خصبة لزرع كيان ما ربما يكون شبيهاً بطالبان أفغانستان.والأحتمال الآخر هو ان تتخذ الجماعات الجهادية الأقليمية من موريتانيا منصة تحرك تتمكن منخلالها من اظهار وجودها والقول للعالم : نحن هنا وقادرون على الفعل!وأخشى مايخشاه المواطن الموريتاني البسيط -الذي تكفيه أزماتته المعيشية الخانقة- أن تكونبلاده على أعتاب النفق المظلم الذي دخلت فيه بلدان مجاورة, ولعل التجربة الجزائرية الداميةماتزال ماثلة للعيان.